حسين محمد علي يكتب … كل الحقيقة… بانورما قطع النور..وصمت الأحياء كصمت القبور

كل الحقيقة
حسين محمد علي يكتب :
بانورما قطع النور..وصمت الأحياء كصمت القبور
(١)
في البدء نبارك للجميع، وداع تلك الفترة الكالحة من الظلام الدامس الذي خيم على الناس والبلد والنفوس جراء إنقطاع الكهرباء والنور، لفترة قاربت من الستين يوما حسوما، غير أن الفترة التي شهدت إنقطاع التيار كانت عصيبة، وكالحة السواد، جرت تحتها مياه كثيره تحت الجسر، وعبر هذا المقال نستعرض أبرز محطات هذه البانوراما السودانية العجيبة.
(٢)
يروي عن التابعي الجليل مالك بن دينار أنه زار ذات مره المقابر، فتعجب من ذلك الصمت الرهيب في تلك البقعه من الأرض، فأنشد هذه الأبيات التي امتلأت حكمة وعظة، والتي تكون عبره لكل معتبر..فانشد قائلا :
*أتيت القبورَ فناديتُهــا أين المعظَّم والمحتقَرْ*
*وأين المدلُ بسلطانه وأين المزكَى إذا ما افتخَرْ*
*تفانَوْا جميعاً فما من مُخبِرٌ وماتوا جميعاً وماتَ الخبَرْ*
*تروح وتغدو بناتُ الثرى وتُمْحَى محاسنُ تلك الصُّوَرْ*
*فيا سائلي عن أناس مَضَوْا أمَالك فيما ترى مُعتبَرْ*؟
(٣)
تذكرت هذه الأبيات لهذا التابعي الجليل، والناس والصحافة والمجتمع، تسأل أهل الشأن من المسؤولين في الحكومة عن الكهرباء، وسبب انقطاعها لهذه الفتره الطويلة ومتى ستعود؟ وماهي الجهود المبزولة لارجاعها؟ وكم من الوقت سوف تاخذ،؟ وغير ذلك من الأسئلة المنطقية والملحة والتي كان من المفترض من الجهات المختصة في ذلك أن تضع الناس في الأمر الواقع، غير أن الذي حدث كان أشبه بابيات التابعي مالك بن دينار عندما زار القبور، فأستوي عندنا الجهات المختصة في المجال من الأحياء مع أهل القبور، حيث إلتقى وجهه الشبه عند (نقطة) (الصمت الرهيب في كل)، فأصبح عندنا صمت الأحياء كصمت أهل القبور.
(٤)
والمؤسف في الأمر أيضا في عودتها، والتي كانت دون مقدمات ودون مؤشرات، تفاجأ الناس في عهد العولمة بالأنوار فجأه تضئ وقد كتبت عن ذلك في صفحتي على الفيس ما يلي..
( *في زمن العولمة وسرعة المعلومة.. يظل معرفة خبر عوده الكهرباء على التكهنات)*
_في ظل التطور التكنولوجي العريض والانفتاح الكبير لوسائل التواصل الإجتماعي ، وسرعة وسهولة نقل ووصول المعلومة.. تظل معرفه حقيقة هامه مثل عودة التيار الكهربائي تعتمد على التكهنات، المفاجآت .
_إدارة الكهرباء سوي كانت المركزية او الولائية بها من الموظفين والمهندسين ما يسدوا عين الشمس، من المؤسف أن لا يكون لمثل هذه الادارة الضخمة موظف (إعلام او علاقات عامة).. ينشر عن المؤسسة الاخبار الحقيقية والوقائع الرسمية عن المؤسسة.
_مؤسسة بها من الإيرادات ما ينؤ عن حملة الجمال أو أولى القوه من البقال والحمير والمركبات.. تعجز أن تعين موظف للاستعلامات أو للإعلام لكي يضع الناس والمجتمع في الصورة، ويبين للعامه خطوات المعالجة وتكهنات العوده.
_إداره الكهرباء تدير هذه الخدمة بنفس طريقة عوده التيار وانقطاعه والذي يكون دون مقدمات، والذي ممكن ان يكون في اليوم الواحد أكثر من عشر مرات.
_السؤال الذي يطرح نفسه ،،، متى ستسفيد إدارة الكهرباء من فوائد عصر العولمة والتي من اهمها سرعة نقل المعلومه الصحيحة من مصدرها لجمهور المستهلكين.؟؟
_ما يجعل الحليم حيرانا هو هذه اللامبالاة من الجهات المسؤلة تجاه الشعب.. ياقوم أليس منكم رجل رشيد؟
_اللهم الطف بنا فيما جرت به المقادير.. قادر ياكريم.
(٥)
سألني صديقي ذات يوم في غمره الإنقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، قائلا (انت ياحسين اخوي دحين ناس الحكومة ديل دايرين يجيبوا لينا الكهرباء متين؟؟؟ ).. رديت علية بشئ من الطرافة والظرافة وقلت له بلسان الحال والمقال فقلت له (اسكت اسكت.. ناس الحكومة ديل عندهم الواح طاقة شمسية ومنظومات متعددة الأغراض للطاقة الشمسية دايرين يصرفوها ما تخرب ليهم السوق).. ضحك صديقي ملء شدقية وقال (كلامك دا في شكل مزاح لكن يها (الحقيقة) بعينها.
(٦)
بنتي ذات الثماني سنوات، قالت لي يوما وانقطاع الكهرباء فات الشهر وماري بالباك الشمال ولسع ماشي.. قالت لي (انت ي ابوي اليوم جيتنا متأخر كدا مالك؟.. قلت ليها اليوم عملنا إنجاز عظيم.. نفذنا لي مسجدنا منظومة للطاقة الشمسية، بغرض الإنارة والاذان وأداء الصلوات،،عشان كدا تأخرنا!! قالت لي وكل براءة الأطفال في حديثها (انت بيتك ما عملت ليهو طاقة شمسية مش كان تبدأ بيهو؟ قلت ليها انحنا بدينا باناره بالمسجد عشان ربنا بعدين ينور لينا قبورنا).. قالت لي يعني شنو؟ الكلام دا؟ قلت ليها الكلام كبير عليك بعد انتي تكبري بتعرفيهو.. قالت لي أكبر ابقي قدر شنو يعني؟ قلت ليها لم تدخلي المرحلة الثانوية.. قالت لا حولا.. انتظر لغاية داك كلوا عشان اعرف معنى الكلام دا؟ قلت ليها والله انتو عهد السرعة بتاعكم دا حيرنا زاتو!!! انحنا زمنا قرينا بالفانووس وبي لمبة خدامه وبي الرتينة سنين عددا انتو شهر واحد بس ما قايرين تصبروا على انقطاع الكهرباء شابكننا.. ركبنا لينا طاقة يا بابا.!!! كان الله في عون الجيل القادم.
(٧)
مررت في ذلك اليوم بظريف المدينة والذي اشتهرت عنده الطرفة الحاضرة والنكتة الساخره، والكهرباء لازالت ممانعة.. قلت له – اها – الخبر شنو؟ قال لي (الخبر.. الايام دي اي زول عندو قريشات رفعها فوق راس بيتو؟ قلت ليهو فسر ي ابو النوادر (قال لي منظومة الطاقة الشمسية لانارة منزل واحد تلكف مبلغ لا يقل عن (٤.٥٠٠.٠٠٠)مليون، اي أربعة مليار ونصف، فالقريشات بعد كانت في (الخٍزن) تحت.. اترفعت فوق العروش، قلت ليهو كلامك صحيح.. قال: لي دا ما الشئ المحيرني،؟ قلت ليهو المحيرك شنو ي ابو العلوم؟ قال : الرافع طاقة في بيتو بي مبلغ (خمسة مليار دا) لو جاهو مسكين او فقير دق الباب ما بيخرج من اتنين (ي قاليهو الله كريم ي اداهو الف جنية).. وهناك رافع خمسة مليار فوق.. قلت ليهو ما كلهم قال (٩٠٪) منهم.
(٨)
حدثني صديقي واحد معارفي والذي أثق في حديثه، أن من مآسي انقطاع الكهرباء، وموت الضمير عند البعض، أن صادف في هذه الفترة ان تضع له زوجته مولودا، في احدي ايام الظلام الدامس والليل يقترب من ارخاء سدوله، قال ذهبت لذلك المشفى فكل شئ كان على ما يرام خروج الطفل وسلامه الام والأدوية وغير ذلك، فقلت له اين كانت المعضلة؟ قال في الطبيب المداوي .. قلت له وكيف ذلك؟ قال سألني الطبيب هل ترغب في غرفة خاصة قلت له وبي كم الغرفة لليوم الواحد؟ قال بي (٤٠) الف جنية.. قلت لا بأس ، فقمت بدفع الرسوم كاملة؟ قلت له وما الذي حدث بعد ذلك قال لي حدث عجبا (الجماعة قبضو قروشي بي جاي َووقفوا بابور الاناره من التاسعه مساءا،بي هناك.. والغرفة الخاصه المزعومه أصبحت مثل السجن لا اناره لا مروحة لا مكيف لا شاشة،، ثم اردف قائلا (ظللت اهبب للطفل الرضيع منذ التاسعة ليلا إلى أن إذن الفجر).. لا ارتاحت قروشي في جيبي لا ارتحت انا في جسدي!! والجماعه قالوا غرفة خاصه واستلموا قروشهم وادونا غرفة اشبه بغرف المساجين.. وهذا من محن البلد َالتي زادت الماسي على بعضها.
(٩)
في عهد الظلام الدامس الذي مر علي الناس والبلد كانت المناطق العامه المتاحة لشحن الهواتف هي المساجد التي بها (ألواح الطاقة الشمسية)، فزادت هذه الفتره من ايمانيات الناس واتجه الكثيرون منهم نحو المصاحف لشحن الطاقة الإيجابية في الجسد حتى تشحن الطاقة الشمسية الهواتف الذكية.. وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم.. وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم.
(١٠)
من اللحظات الإيجابية، في يومي، تلك اللحظات التي اقضيها بالقرب من والدتي العزيزه أطال الله في عمرها، فبعد مشوار إيصال الطلاب للمدارس اقضي بجانبها قبل الاتجاه للعمل نحو (ربع ساعه) من عمر الزمان،احتسي معها كوبا من فنجان القهوه بطعم الأمومة المعتق برائحة الزمن الجميل .. هذا الوقت القصير يساوي لي كنوز الدنيا وما فيها انها لحظات مليئة بالطاقة الإيجابية، والسعاده النفسية، والمشاعر الجياشة والتي يختلط عندها ضجيج اليوم مع لحظات الحب والموده هذه اللحظات تمنحك طاقة إيجابية تنسيك مرارة انقطاع الكهرباء او مشاغل الايام.. ومع هذه الايام المباركات والعشر الاوائل من ذي الحجه هذه فرصة للذين هجروا أمهاتهم اما بسبب زوجاتهم او بسبب حطام الدنيا الزائل.. فتذكروا دوما ان الجنه تحت أقدام الأمهات.








