رأي

ياسر الفادني  يكتب … من أعلى المنصة … الكتف لايزين بالمجاملة… بل يثقل بالعلم والشرف والتجربة 

من أعلى المنصة

 

ياسر الفادني

 

الكتف لايزين بالمجاملة… بل يثقل بالعلم والشرف والتجربة

 

في خطوةٍ جريئة وقوية لكثيرين، قرر القائد تمبور إلغاء جميع الرتب العسكرية الممنوحة لأفراده، ومنحهم صفة واحدة: “قائد”، إلى حين إشعار آخر. هذه الخطوة لم تكن ردّة فعل عابرة أو تصرّفًا إرتجاليًا، بل جاءت كردّ فعل عميق على فوضى الرتب المتفشية، وتضخم الأكتاف بالنياشين الزائفة، في مشهد لم يعد يفرّق فيه الناس بين من تخرّج في الكلية الحربية ومن لم يطأ بوابتها قط.

 

لقد بات من المعتاد أن ترى على كتف أحدهم رتبة “عقيد” أو “عميد” أو حتى “فريق”، بينما تاريخه العسكري لا يتجاوز صورة مع سلاح، أو مشهدًا تمثيليًا في معسكر تدريبي مرتجل، والكارثة أنّ هذا العبث يتم تحت عباءة دعم القوات المسلحة، وكأن النية الطيبة تبرر تزوير الخبرة وتزييف الهيبة.

 

في القوات المسلحة، الرتبة ليست زينة أو هدية، إنها شهادة حية لعقود من الجهد، والعرق، والدورات، والمعارك، والانضباط الصارم، والعلوم العسكرية الدقيقة، المقدم والعقيد والعميد هم رجال طحنهم الميدان، وعجنهم الانضباط، وسلّحتهم التجربة قبل أن تزيّنهم الرتبة، فما الذي يفعله بين هؤلاء من لم يعرف حتى موقع الكلية الحربية على الخريطة؟

 

الضحك المرير يعتصر قلب كل من خاض درب العسكرية الحقيقي حين يسمع عن “لواء” لم يقد طابورًا، أو “عميد” لا يُحسن فك قطعة سلاح، أو “فريق أول” لا يملك سوى بيان صحفي وتوقيع على أوراق لا يعرف معناها، إنها إساءة مزدوجة: للجندية أولًا، وللشهداء الذين رحلوا بشرف الرتبة ثانيًا.

 

ما فعله تمبور يجب أن يكون ناقوس إنذار للجميع، هذه الرتب المصنوعة بلا جوهر تُفقد الرتبة الحقيقية معناها، وتخلق خلطًا قاتلًا في الميدان، من حق المواطن أن يعرف إن كان من أمامه جنديًا محترفًا أم متسلقًا مؤقتًا، من حق الضابط الحقيقي أن يُصان تاريخه من العبث ومن واجب الحركات المسلحة التي صنعت فرقًا في معركة الكرامة أن تحترم قدسية الرتب، لا أن توزعها كالهدايا في حفلات الترضية.

 

إن الدمج قادم، لا محالة، لكن تأخيره يزيد التشوه، ويكرّس الفوضى، ويفتح الباب للانتهازيين ،وعلى القوات المسلحة أن تسرع في حسم هذا الملف بشجاعة تليق بجيش الأمة ، أما الرتب، فلتعد إلى معناها القديم: رتبة لا تُمنح، بل تُنتزع بالعرق، وتُحمل بثقل الكفاءة.

 

ولتتّعظوا بمن منح الرتب على مزاجه ثم إنتهى في مزبلة التاريخ، عبرةً لمن يعتبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى