
مدارات للناس
هاشم عمر يكتب … مدارات للناس … غابة السنط… وصية الخرطوم الأخيرة
ليست هذه مجرد مناشدة بيئية، بل صرخة قلب يتذكّر مدينة كانت تبتسم في ظلال السنط، وسط هدير الطيور المهاجرة وعطر الأرض النقية. غابة السنط ليست ترفًا أخضرًا، بل هي آخر ما تبقّى من رئةٍ تتنفس بها الخرطوم في مواجهة الإسمنت، التلوث، والإهمال.
قبل أعوام، أجريتُ تحقيقًا صحفيًا موثقًا عن التعدي الجائر والممنهج على غابة السنط، ونُشر التحقيق في عدد من الصحف المحلية والخارجية. ساعدني في ذلك الأخ المصور عوض سمك ،عضو نادي مشاهدة الطيور، الذي زودني بصور حصرية أظهرت بشاعة ما يجري بحق الغابة، واللامبالاة تجاه هذا الإرث الطبيعي.
واليوم، يعود نادي مشاهدة الطيور ليطلق مبادرة عاجلة للتصدي لأعمال التجريف وقطع الأشجار التي طالت الغابة. المبادرة شجاعة، لكنها لا يجب أن تبقى محصورة في دائرة المختصين. إن ما تتعرض له الغابة من حرق، تقطيع، وتحويلها إلى حطب وقود بفعل المناشير الكهربائية والأدوات البدائية، هو جريمة يجب أن يتصدى لها الجميع، خاصة في ظل الانتهاكات من الميليشيات المسلحة التي عبثت بالنسيج البيئي والثقافي للمدينة دون رحمة.
غابة السنط كانت – وما زالت – حضنًا للطيور الموسمية والمهاجرة، متنفسًا لأهل الخرطوم، وواجهة سياحية تعكس روح المدينة. إنها ليست مجرد أشجار، بل ذاكرة بيئية وشعبية، وفضاء للمصالحة مع الطبيعة.
هذه دعوة مفتوحة:
لتكن إعادة إعمار الخرطوم تبدأ من السنط، من هذه الغابة الجريحة، لأنها تختزل مفهوم العودة الحقيقية، عودة الإنسان إلى ما يحب، إلى ما يُشبهه، إلى ما يحلم به.
🕊️ تحية لنادي مشاهدة الطيور، وللصديق المصور العالمي، عوض صديق (سمك)، الذي وثّق بالمحبة ما كان يمكن أن يُنسى.
*مدار أخير*:
_”محطة محطة بتذكر..
عيونك ونحنا في المنفى
و بتذكر سؤالك لي..
متين جرح البلد يشفى؟
متين تضحك سما الخرطوم؟”_
– محجوب شريف / وردي








