بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :الشيخوخة لا تقاس بالسن بل بالمقدرة على العطاء.

كثيرون ممن بلغوا الستين يرون أنهم دخلوا مرحلة الشيخوخة، ويعتقدون أنهم أصبحوا غير صالحين للعمل، لكن هل العمر هو المعيار الحقيقي للقدرة على العطاء؟ الحقيقة أن الشيخوخة يجب أن تُحدد بناءً على القدرة على العمل، وليس فقط على عدد السنوات التي عاشها الإنسان. فبعد الستين، يكون الشخص قد اكتسب خبرات واسعة ومعرفة متراكمة تجعله أكثر قدرة على الإبداع والإنتاج.
هل يشيخ العقل؟
العقل لا يشيخ مثل الجسد، بل على العكس، يستمر في التطور والنضج مع مرور الوقت. صحيح أن القدرات الجسدية قد تتراجع مع التقدم في العمر، لكن القدرة الذهنية والمعرفية تزداد بفضل التجارب والخبرات. لذا، بدلاً من الاعتماد على الجهد العضلي، يجب أن يتوجه الإنسان إلى العمل بالعقل، حيث التفكير والتحليل واتخاذ القرارات أصبحت المحركات الرئيسية للاقتصاد الحديث.
التقاعد: مفهوم قديم يحتاج إلى إعادة نظر
ظهر مفهوم التقاعد في أعقاب الثورة الصناعية، حين كان العمل يعتمد على الجهد البدني، مما جعل العمال غير قادرين على الاستمرار في العمل بعد عمر معين. أما اليوم، فإن الاقتصاد قائم على المعرفة والإبداع، حيث يمكن للأشخاص العمل لفترات أطول والاستفادة من خبراتهم في مجالات مثل الإدارة، الاستشارات، التدريس، والبحث العلمي.
كيف نحفز كبار السن على الاستمرار في العطاء؟
1. توفير فرص عمل مناسبة: يمكن لكبار السن العمل في وظائف تعتمد على العقل مثل الاستشارات، التعليم، والإدارة.
2. دعم ريادة الأعمال: تشجيعهم على بدء مشاريع صغيرة أو العمل كمستشارين في مجالاتهم.
3. التدريب المستمر: توفير دورات تعليمية تساعدهم على مواكبة التغيرات في سوق العمل.
4. التحفيز النفسي والمجتمعي: تعزيز ثقافة احترام الخبرة وإدماج كبار السن في الحياة المهنية والاجتماعية.
أمثلة على النجاح بعد الستين
• رجل أعمال كان يدير مزرعة أبقار، لكنه تعرض لحادث أقعده عن العمل. بدلاً من الاستسلام، حول المزرعة إلى مصنع لحوم، وحقق أرباحًا تفوق ما كان يجنيه من عمله الجسدي. هذا مثال حي على كيف يمكن استبدال الجهد العضلي بالعمل العقلي لتحقيق نجاح أكبر.
• هارلاند ساندرز، مؤسس سلسلة مطاعم كنتاكي (KFC)، بدأ مشروعه في عمر 65 عامًا بعدما فشل في عدة أعمال، لكنه استخدم خبرته في الطهي والإدارة ليؤسس واحدة من أشهر العلامات التجارية في العالم.
• راي كروك، الرجل الذي حول مطاعم ماكدونالدز إلى إمبراطورية عالمية، بدأ هذا التحول وهو في سن 52 عامًا، وأثبت أن العمر لا يمكن أن يكون عائقًا أمام النجاح.
• بيتر مارك روجيت، وضع قاموس “روجيه للمرادفات” وهو في سن 73 عامًا، وما زال يستخدمه الملايين حتى اليوم.
الخاتمة
لم يعد التقدم في العمر يعني التوقف عن العمل أو فقدان القيمة في المجتمع. بل على العكس، يمكن للإنسان أن يكون في قمة عطائه بعد الستين، إذا استثمر في خبراته وعقله بدلاً من التركيز على قدراته الجسدية. العالم اليوم بحاجة إلى العقول المفكرة، وليس فقط الأيدي العاملة، لذا يجب أن نغير نظرتنا إلى مفهوم الشيخوخة، ونعمل على تمكين كبار السن ليظلوا جزءًا فاعلًا من المجتمع.








