بشرى بشير .. يكتب.. من الهامش.. ذكرى تحرير سنجة: الدروس والعبر

من الهامش
بشرى بشير .. يكتب.. من الهامش.. ذكرى تحرير سنجة: الدروس والعبر
دخلت مليشيات الدعم السريع مدينة سنجة على حين غفلة، وأكاد أجزم أنه لو حدث الدخول في هذا الوقت لما تم. فمواطنو سنجة وما حولها كانوا على دراية بمعنى المدينة وأهمية ترابها، لذلك لم ينساقوا بسهولة.
عند دخول هؤلاء الملاقيط إلى سنجة، شُرِدت الأسر وتفرّق الأب عن ابنه، والزوج عن زوجته. أفعالهم كانت دليلاً على أنهم بلا وازع ديني أو عرفي، فكل همهم كان جمع المال. كان يوم سقوط سنجة أشبه بيوم الحشر تمامًا، كما وصفته إحدى الأخوات في أيام النزوح: يوم أشبه بيوم القيامة، كما قال تعالى: “يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه”، فقد فر كثير من الناس وتركوا كل شيء خلفهم.
تجربتي معهم ليلة واحدة كانت كافية لأدرك أنهم لا يشبهون البشر: شعورهم كثيف ورائحتهم نتنة، يتبولون واقفين، ولا يصلون، ويتطاولون على الله. سألوْني عن المال والذهب، وادعوا أنني “استخبارات البرهان”، فكنت أردد: “حسبنا الله ونعم الوكيل”. سألتهم عن مسبحتي، فضحكوا ساخِرين، ولكن قائدهم أوقفهم.
كان دخولهم سنجة فوضويًا وعاثوا فيها فسادًا، لكن قلوبهم ارتجفت لأنهم علموا أن سنجة ستعود. التحية لقواتنا المسلحة الباسلة والقوات المساندة، والتحية للمقاومة الشعبية في ولاية سنار، وعلى رأسها اللواء أمن عبدالعظيم فضل الله في ذاك الوقت، فقد كان الصمود هو الصمود.
اللواء ركن علي حسن بيلو، قائد الدفاع الجوي لقطاع سنار والنيل الأزرق، كان بمثابة جبل شامخ يشارك في المعارك بنفسه، يمتطي مدفعه، ويلقن الخونة والمارقين درسًا لن ينسوه. وكان اللواء ركن عبد المنعم عبدالباسط قائد السيطرة، بجانب كل ضباط الجيش وضباط الصف والجنود. ملحمة جبل مويا كانت مثالًا لقسوة المعارك، حيث كانت الأسلحة والمدافع في أعلى الجبل وأسفله كفيلة بتخريب أي قوة معادية.
أتذكر أننا جلسنا صباحًا في حضرة الوالي السابق توفيق محمد علي (حفظه الله)، واللواء علي بيلو يصب لنا شاي الصباح بيديه، بينما تتوالى الأخبار عن تحرير الدندر والسوكي، ثم سنجة وبقية المناطق. كان الفرح لا يوصف بين المواطنين عند تحرير سنجة، فقد تناولوا الموز وغمرونا به في عرباتنا احتفالًا بالحرية، بعد ما عانوه من ظلم مليشيات الدعم السريع.
الهامش الأخير
دخول مليشيات الدعم السريع إلى سنجة، وتحرير المدينة على يد قواتنا المسلحة والقوات المساندة، يحمل العديد من الدروس والعبر. المواطن أصبح أكثر تمسكًا بأرضه، ولم يتركها مرة أخرى، فحجم التخريب كان كبيرًا وأوجع النفوس. النزوح من سنجة كان أشبه بيوم القيامة، ولن يتكرر مجددًا، فالمواطنون يفضلون الموت في تراب ديارهم على الفرار.
من الدروس أيضًا: يجب أن تكون الأجهزة الأمنية يقظة، خاصة عند التعامل مع المتعاونين، فالخائن أخطر من العدو المباشر. يجب معاقبة من يضر بالوطن، مهما كان قريبك أو عزيزك.
وأخيرًا، التحية لكل من ساهم في إعادة الخدمات للمدينة، من أول صاحب الدفار الذي وفر البضاعة وبيعها للناس، إلى حكومة الولاية التي أعادت الخدمات بسرعة، وللمدير التنفيذي لمحلية سنجة الذي بقي في المدينة ليلة تحريرها. هذه الدروس والعبر يجب أن نتذكرها وألا نفرط في شبر من وطننا مرة أخرى.
وما النصر إلا من عند الله.








