اخباررياضةمنوعات

فهمي محمد السيد يكتب :المصارعة السودانية تراث وثقافة وهوية

فهمي محمد السيد يكتب :المصارعة السودانية تراث وثقافة وهوية

 

تعرف المصارعة في السودان ب(الصراع) وهو الاسم السائد ، و (مصارعة النوبة) وهو الإسم الأكثر خصوصية ، و يرجع تاريخها الي أكثر من مائتي سنة قبل الميلاد ، منذ مملكة كوش العظمى ، و المصارعة ليست مجرد رياضة بل تراث وثقافة لشعب جبال النوبة ، إذ انهم عرفوا بهذه الرياضة والثقافة والتراث الذي تنقل من بينهم حتى وصل إلى المرحلة الحالية ، وترتبط المصارعة في السودان بالأسبار والمناسبات ، ويتم تعليم النشء هذه الثقافة و هذا التراث منذ الصغر وتحديدا من سن السبع سنوات وحتى الأربعة عشرة سنة، يبدأ تعلم قواعدها و الذي يتولاه في الغالب (الأخوال) او الخال لأنهم الأقرب للأبناء، عملا بالمثل القائل (الود خال) .

 

لماذا جبال النوبة ؟

 

أسباب عديدة ساهمت في تميز أبناء جبال النوبة على مستوى منشط المصارعة، إذ أن البيئة في حد ذاتها تساهم في ان يكون هناك فارس لا يشق له غبار ، على سبيل المثال نشل المياه من الآبار تقوى عضلات اليدين وتقوي الكف ، والسير الي مسافات بعيدة خلف الماشية تقوى عضلات الأرجل ، وكذلك الصعود إلى الجبال والنزول منها ، فضلا عن نوع الغذاء الذي يتناولونه هناك ، كلها تسهم في بناء جسم قوي ، ويعزز هذه الأسباب عدم وجود رفاهية بمناطق جبال النوبة ، فجل الوقت هناك ما بين التواجد بين الثروة الحيوانية او اللجوء إلى المصارعة خاصة في الليالي القمرية ، وعندما يقوي الطفل ويصل الي سن ال١٤ عاما يدخل في منافسات على مستوى القرية او المنطقة ، وعندما يبرز يؤخذ الي المناطق القريبة حيث المنافسات مع أقرانه بالقرى المجاورة من مناطق جبال النوبة ، ثم الانتقال إلى المنافسة الكبري في أسبار الحصاد والزواج وهكذا ، وفي كل الجبال سوي الشرقية او الغربية الصراع سمة ثابتة وثقافة وهوية وتراث لكل أبناء جبال النوبة ، مع قليل من الاختلاف في ممارسة هذه الرياضة بين الجبال الشرقية والغربية فيما يتعلق بالقوانين ، حتى تم أخيرا وضع قانون متفق عليه أصبح الأساس ليحكم هذه الرياضة ما بين المتنافسين .

 

فارس القبيلة

 

يقول الاستاذ الله جابو سليمان كابو ، رئيس الاتحاد السوداني للمصارعة ، عضو المكتب التنفيذي للإتحاد الأفريقي للمصارعة لأصوات نيوز : عندما تكبر ويقوي عودك و تصبح فارسا من خلال الظهور القوي في كل المنافسات فأنت بهذا صرت عنوانا للقبيلة ، تحتفل بك عندما يكون هناك سبر وتجتمع كبار العائلات والقبيلة ، انت من ترفع علم القبيلة وشعارها في الاحتفالات ، ويتم إعداد الفارس للاحتفال في معسكر مغلق ، لا يقرب النساء ، يقدم له الطعام المخصص من لحم وسمسم وبعض المكونات من فتحة صغيرة بالشباك ، ويمضي كابو قائلا : وفي اليوم المحدد يخرج الفارس كأسد يبحث عن فريسة يتقدم النزال مصحوبا بزغاريد الحسان يحمل علما يختلف عن علم المنافس ، والفائز في هذا النزال يأخذ علم المنافس ويضعه في سارية فوق بيته ، ليخبر كل مار بالقرية ان في هذا البيت فارسا صرع فلان وفلان ، هذا التقليد يمكن مقارنته الآن بالكؤوس والميداليات التي تمنح عند الفوز ، فضلا عن هكذا مناسبة يمكن لها ان تكون بيئة صالحة لاختيار الزوج وفارس الأحلام ، جبال النوبة قدمت هذه الرياضة والثقافة للسودان والعالم أجمع .

 

تقنين المصارعة في السودان

 

عندما تكون صاحب تراث هو جزء منك ولك تأثير على الآخرين فهذه من المزايا الإيجابية التي تحسب عليك ، لا يمكنك بعدها الإنغلاق على نفسك ، لا بد من تقديم هذه الميزة التفضيلية ، لذلك تنقلت هذه الرياضة من جبال النوبة كما تنقلت من قبل من مملكة كوش العظمى من أقصى الشمال الي جبال النوبة مرورا بالصحراء ، ثم انتقلت عبر أبناء جبال النوبة الذين عملوا في الجندية وموظفي الحكومة الذين مارسوا المصارعة كثقافة وتراث ايام العطلات ، الي ان تم تكوين اول اتحاد على مستوى السودان في الخرطوم في سبعينات القرن الماضي ، بعده تم تكوين عدد من الاتحادات حتى تم تأسيس الاتحاد السوداني للمصارعة في أكتوبر ٢٠٠١ ، وتم التأكيد على ان المصارعة رياضة وليس هناك ما يمنع ان تكون ثقافة وتراث محفوظ لا يمنع قوميتها كرياضة سودانية ، و أصبحت هناك اتحادات بكل السودان عدا ولايات دارفور التي ظللنا ، كما قال رئيس اتحاد المصارعة نبذل جهودا مقدرة لتكوينها ولكن هذا العمل يحتاج مجهودات مضنية وتفاعل من أبناء الولايات ، معربا عن امله الحصول على هذه الفرصة ونشر المصارعة في كل أنحاء السودان لأنها تعبر عن هوية وتراث السودان .

 

أنواع المصارعة

 

أوضح الاستاذ الله جابو رئيس اتحاد المصارعة ان بالسودان نوع واحد من أنواع المصارعة هي مصارعة النوبة ، أو المصارعة السودانية ، وعلى مستوى العالم هناك اتحاد دولي للمصارعة تتبع له اتحادات تمثل عضويته في كل أنحاء العالم ، والسودان من بين هذه المنظومة منذ مايو ٢٠١٠م حين زار ممثل للإتحاد الدولي السودان محمد بن زهير وكان رئيسا للإتحاد الأفريقي ، وأيضا كانت هناك زيارة لوفد تركي الي السودان تم توقيع بروتوكول في حلبة الحاج يوسف وقتها ، فتح هذا البروتوكول آفاقا أوسع للاعب السوداني بالانتقال الي تركيا ومعايشة البني التحتية بتركيا ، كما ساهم في تطوير مستوى اللاعب السوداني نتجت عنها نتائج مبشرة على مستوى المشاركات الخارجية . على مستوى العالم هناك المصارعة الأولمبية وتنقسم الي ثلاثة أقسام هي الحرة والرومانية و النسائية وانضمت لها الآن المصارعة الشاطئية لتكون ضمن الألعاب الأولمبية المقبلة ، و يعتقد رئيس الاتحاد السوداني للمصارعة أن المصارعة الشاطئية هي الأقرب لمصارعة النوبة لأنها تلعب على الرمال وفي دائرة نصف قطرها ١٠ أمتار ، مبينا إختلاف قوانين المصارعة من نوع لآخر ، وعلى مستوى المصارعة في السودان ، قال : يستطيع اللاعب ان يرمي بخصمه الي الأرض إما على بطنه او ظهره او عجزه أو على كامل جنبه الأيمن أو الأيسر ، هذه هي الوضعيات التي تثبت فوز اللاعب خلاف ذلك فالمنافسة مستمرة حتى النهاية .

 

المنافسات والبطولات

 

بجانب البطولات والمنافسات التي تم ذكرها سلفا على مستوى الأسبار والمناسبات في جبال النوبة ، وبعد تكوين الاتحادات تولدت منافسات فكانت هناك بطولة الجمهورية والتي شاركت فيها كل الاتحادات السودانية المنضوية تحت مظلة الاتحاد السوداني للمصارعة ، وهناك منافسات للكبار و منافسات للناشئين والشباب بحسب ما أوضح رئيس الاتحاد ، وزاد : على مستوى الكبار وصلنا حتى البطولة رقم ثمانية، وكانت على مستوى ولايات الخرطوم ، الجزيرة، كسلا، جنوب وشمال كردفان وشدد على ات البطولات في كردفان حظيت بحضور كبير . وتعتبر كردفان منطقة مقفولة لرياضة المصارعة وميزة تفصيلية لأبناء المنطقة ، وتابع الاستاذ الله جابو سليمان كابو : كانت البطولة الابرز في العام ٢٠١٩ بجنوب كردفان شارك فيها ١٣ اتحاد على مستوى السودان لمدة أسبوعين شهدت تنافسا قويا جدا وهو ما سعى اليه الاتحاد السوداني لأن رياضة المصارعة مشوقة تبرز ثقافة و هوية السودان وتفرز أبطالا يرفعون من شأنه على مستوى العالم ، فالهدف من بطولات الجمهورية إفراز أبطالا يمثلون السودان خير تمثيل ، وعلى مستوى الناشئين اضاف : وصلنا الي البطولة رقم سبعة والتي أقيمت في جميع أنحاء السودان ، منها كسلا والخرطوم و القضارف والنيل الأبيض والجزيرة والبحر الأحمر ، وهناك منافسات تقام في بعض المناسبات في الشمالية مثلا ، أيضا ولاية النيل الأزرق شهدت منافسات للناشئين بمحليات باو والرصيرص والدمازين ، المصارعة لديها عدد كبير من العشاق والمتابعين وهو ما يدفع لتقديم المنافسات ونشر اللعبة في أنحاء السودان المختلفة .

 

المصارعة أثناء الحرب وبعدها

 

لظروف الحرب في السودان لم تنظَم منافسة حقيقية ، غير ان هناك بعض الخطوات الإيجابية يعمل اتحاد المصارعة على تنفيذها بإقامة منافسات في المناطق الآمنة على سبيل المثال ولاية كسلا، وإقامة بطولة تشمل لاعبين مبرزين يشكلون دعامة اساسية لتكوين منتخب يمثل السودان في المنافسات الخارجية ، وأشار كابو الي فكرة تم التشاور لتنفيذها مع المسئولين في ولاية النيل الأزرق بإقامة منافسات تشارك فيها ولايات مثل القضارف وكسلا والبحر الأحمر والجزيرة وسنار ، معربا عن امله ان تنفذ هذا العام ، وعلى مستوى ولاية الخرطوم أشار الي ان هناك بعض المنافسات على مستوى شرق النيل و أمدرمان بحكم أن ولاية الخرطوم جاذبة للمنافسات من عدة نواحي ، مع الاحتفاظ بحق ولايات كردفان كونها تمثل المنجم الرئيسي لأبطال المصارعة .

 

ملاعب المصارعة في السودان

 

هناك ملاعب موجودة على مستوى ولاية الخرطوم ، حلبة شرق النيل التي شهدت عدة منافسات سابقا ، وحلبة امبده، بامدرمان وهناك حلبات على مستوى السودان غير مؤسسة تأسيسا كاملا في كسلا وحلفا و بورتسودان والدلنج وكادوقلي تحتاج لعمل ، ويعتبر هذا الأمر نتيجة حتمية لحجب التمويل وهو مسئولية الدولة كما قال رئيس الاتحاد وليس الاتحادات ، وتمني ان تجد هذه الرياضة اهتماما من الدولة لإنشاء حلبات تشرف السودان فهي لا تحتاج لكبير عناء مثل المصارعة الأولمبية التي تحتاج لصالات ، فمصارعة النوبة تحتاج فقط لحلبة تسع لخمس الف مشجع وحلبة داخلية للمنافسة وهو أمر ليس بالمكلف ، يحتاج لقرارات من الدولة ودعم لإنشاء حلبات مصارعة تكون متنفسا للشباب و عاملا لخلق جذب سياحي للزوار من أوروبا وأمريكا ، وعلى عاتق وزارات الرياضة والثقافة والسياحة يقع هذا الأمر ، فالمصارعة كما يعتقد (كابو) يمكن أن تكون اللعبة الشعبية الأولى واذا قورنت مع شعبية كرة القدم خلاف ناديي الهلال والمريخ تميل الكفة لصالح المصارعة ، وهذا الأمر يعطي تحديا أكبر على مستوى الاتحاد والجهات المعنية على مستوى السودان ، فالدعم عند المشاركات الخارجية فقط ليس بالأمر الكاف ، ودعا كابو ان تكون الرياضة واحدة من الأهداف الأساسية للدولة لأنها تمثل سفارة الشعوب ، ترفع لها الإعلام وتعزف لها الاناشيد الوطنية ، و المصارعة السودانية لديها ما يحقق ذلك .

 

المصارعة في إفريقيا

 

الصراع او المصارعة في أفريقيا تمثل جزءا من التراث السوداني الممتد داخل القارة الأفريقية ، كما أفاد بذلك رئيس الاتحاد السوداني : (( أقول جازما وبملء الفم ان ملوك كوش العظمى هم الذين رفدوا أفريقيا بهذا النوع من الرياضة ، لأنهم حكموا أفريقيا وتنقلوا بالمصارعة الي كثير من الدول، ولك أن تتخيل عندما تكون في السنغال وفي منافسة مصارعة معصوب العينين وانت لا تعلم انك بالسنغال لاعتقدت انك في جبال النوبة بكل تفاصيلها وطقوسها ، وهذا يدلل على وجود قواسم مشتركة هنا وهناك وينطبق هذا الأمر على دول أخرى ، نحن من جانبنا نعمل على تفعيل المشاركات مع دول مثل كينيا و يوغندا و جنوب السودان و نيجيريا و السنغال والذين نملك معهم علاقات مميزة للمساهمة في تطوير المصارعة ، ونعمل على تسجيل المصارعة على مستوى اليونسكو لشعب جبال النوبة ، مصارعة النوبة موجودة كرياضة على مستوى الاتحاد الدولي للفنون القتالية وعلينا العمل الجاد للحفاظ على هذا الإرث وهذه الرياضة بتفاصيلها)).

 

المشاركات الخارجية

 

على مستوى المنافسات الخارجية شارك السودان وبعد انضمامه للمنظومة الدولية في المنافسات العربية والبطولة الأفريقية وبطولة العالم حصل خلالها السودان على ٢٧ ميدالية ملونة ، وشارك إفريقيا في مصر ، نيجيريا ، ليبيا ، المغرب ، تونس، الجزائر و الكونغو ، كما شارك عربيا في كثير من الدول ، و في بطولة العالم ببودابست عاصمة المجر وكل هذه المشاركات جاءت نتيجة عطاء مميز للاعب السوداني .

 

من هم أبطال المصارعة السودانية

 

تناول الاستاذ الله جابو سليمان كابو أبطال السودان الذين أثروا حلباتها بفنونهم ، فعلى مستوى المصارعة النسائية أشار للاعبة باتريسيا سيف الدين والتي كان يمكن لها التواجد في أولمبياد باريس وهي ما زالت صغيرة السن ، مؤكدا المساهمة في دعمها لتكون ممثلة السودان في الأولمبياد القادمة . و من اللاعبين الذين يشار اليهم بالبنان اللاعب جمعة بشير زيكو القادم من البحر الأحمر حيث ترعرع هناك وهو من جبال النوبة وحقق ميدالية برونزية في بورتهاركوت بنيجيريا في البطولة الأفريقية ثم انطلق حتى حمل سبع ميداليات ملونة للسودان كأول لاعب يحقق هذا الإنجاز ، وهناك مصطفى محمد حماد تقنس ، و الخط السريع الذي حقق اول ميدالية للسودان بالدوحة والباقر محمد بابكر كيري اللاعب المعروف المميز ، هناك دمار شامل و هناك الراكوبة ، هناك انفلونزا الطيور ، هناك عيشة عيشتين وهو من اللاعبين المميزين جدا ، هناك الجمل ، هناك بدر الدين القصير، هناك اللاعب المرعب أمريكي ، و ياسر الضو حربة ، باب المينا ، أربعة جركانات ، وسبعة جبال ، كل هؤلاء اللاعبين سطعوا في سماء الوطن وقدموا المصارعة في صورة زاهية ، وعاد كابو بتاريخ يذكره سكان ابو سعد امبده وبانت جيدا ، مصارعة حمد النيل بامدمان حيث قدم المصارعون عصارة جهدهم و حافظوا على هذا التراث ، وأكد انهم في الاتحاد سيعملوا على تشكيل منظومة إضافية للمنتخبات المشاركة في المنافسات الخارجية والاعداد الجيد للأولمبياد القادمة التي تبقت لها ثلاث سنوات ليكون السودان حاضرا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى