حسين محمد علي يكتب :أسباب تأخر الدولة السودانية (3—3)

حسين محمد علي يكتب :أسباب تأخر الدولة السودانية (3—3)
مدخل :
من الأشياء الغريبة عندنا اننا نكون سببا في انطلاقة عدد من الدول في شتي المجالات العلمية والعمرانبة والرياضية.. وغيرها.. يتقدموا هم ونتأخر نحن؟ حاجه غريبة كده ليس لها.. تفسير.. وهنا تحضرني قصة العالم السوداني، احمد محمد سوركتي المنحدر من مدينة أرقو بالولاية الشمالية والذي ينسب له انه نشر الإسلام في إندونيسيا من ضمن ثلاثة علماء بعد أن تم ابتعاثهم من الحجاز إلى جاكرتا.
(1)
تقول السيره الذاتية عن هذا العالم السوداني المخضرم انه ولد سنة 1292هـ / 1875م في جزيرة أرقو بالولاية الشمالية في السودان، وأسرته مشهود لها بالورع والصلاح والعلم، فنشأ نشأة صالحة، وحفظ القرآن بخلاوي منطقة دنقلا، ثم درس مبادئ الفقه على يد والده الذي كان يخصّه بمزيد من العناية في التعليم، حتى عن إخوته الكبار لِما يراه فيه من نجابة وتميز، فكان أبوه يصطحبه معه في زياراته للكتاتيب والمعاهد والمدارس ولقاءاته مع العلماء وغيرهم، مما وسّع مداركه وأنضج علمه وعقله مبكرًا.
(2)
سافر عالمنا المبجل إلى الحجاز عام 1896م –تقريبًا- وعمره آنذاك حوالي 21 سنة، من أجل أداء فريضة الحج، ومواصلة طلب العلم، وبعد الحج رحل للمدينة واستقر بها أربع سنوات ونصف، درس خلالها علوم القرآن والحديث والفقه واللغة العربية على عدد من العلماء.
(4)
سافر وفد ثلاثي من الحجاز لجاكرتا ووصلوها في العام نفسه (1329هـ)، واستُقبلوا بحفاوة بالغة وإكرام كبير، بوصفهم أول هيئة علمية تصل من أرض الحرمين للتدريس في مدارس جمعية الخير.. وحين وصل السوركتي لإندونيسيا كانت تحت الحكم الهولندي الاستعماري منذ قرنين تقريبا -سبق ذلك احتلال برتغالي لأجزاء منها- وكانت هولندا مستبدة وظالمة وتعيق تطور وتقدم سكانها المسلمين، سواء كانوا إندونيسيين أو عربًا مهاجرين لها، وإن كان ظلم أهل البلد أكثر من العرب الوافدين والمهاجرين لها، وكانت الحالة الدينية تتميز بالجهل وانتشار الشركيات والبدع والخرافات بين المسلمين كتعظيم القبور واتخاذها قبلة ودعاء الأموات وطلب الحوائج منهم، ولكنهم كانوا يحرصون على أداء فريضة الحج، ربما كنوع من مقاومة الاحتلال الهولندي الذي كان يضيق عليهم في ذلك كثيرًا، وكان من الممنوع عليهم تأسيس مدارس دينية، ولذلك كان تأسيس جمعية الخير ومدارسها كأول جمعية عربية وبعد محاولات متعددة استغرقت سنوات كثيرة، ولم يحصل إلا سنة 1906م بعد تغير السياسة الاستعمارية الهولندية مطلع القرن العشرين!
(4)
كان الشيخ السوركتي قد بلغ السابعة والثلاثين من عمره حين سافر من أفضل البقاع إلى عالم مجهول وبعيد، ولكنه كان يحتسب الأجر والثواب ويطمع أن يكون ذلك خيرًا له عند ربه بالجهاد في نشر الدين والعلم لمن يحتاجه في تلك البلاد النائية، وكان قد عقد العزم على الموت هناك وكان يقول: “الموت في أرض جاوة مجاهدًا، خير وأعز من الموت بمكة من غير جهاد” وهذا أمر لا يفعله إلا أصحاب النفوس الكبيرة، والهمم العالية.
(5)
قسّم السوركتي وقته، ففي الصباح مع رفاقه الأساتذة يعلّمون ويربون الطلبة الصغار، ولأنه عُيّن مديرا لإحدى مدارس جمعية الخير ومفتشا للتعليم لجميع المدارس فقد قام بوضع برنامج تعليمي متكامل وموحد للمدارس حدّد فيه العلوم التي يجب أن تدرس وهي: اللغة العربية، مبادئ الفقه وبعض العلوم العقلية، كما أنه بيّن طرق التدريس الفعالة للطلاب.
وفي المساء طفق الشيخ السوركتي يعلم الكبار بعد صلاة المغرب مقاصد سور القرآن وأحكام الإسلام ويصحح لهم تلاوتهم، وفعلاً جاءت النتائج ممتازة في امتحانات نهاية السنة الأولى، ففرح الأهالي وعمّ السرور بينهم وزادت تبرعاتهم للمدارس حتى بلغت 18 ألف روبية.وفي السنة الثانية ارتفع عدد الطلاب مما حدا بالإدارة
أن تطلب من السوركتي إنشاء مدرستين جديدتين واستقدام مدرسين إضافيين، وفعلا استقدم أربعة مدرسين، من بينهم شقيقه الأصغر، وهم: أحمد بن العاقب الأنصاري، وشقيقه أبو الفضل ساتي محمد الأنصاري، ومحمد نور بن محمد خير الأنصاري، والحسن بن حامد الأنصاري، وكلهم على نهج الإصلاح فبعضهم درس في الأزهر ومن متابعي مجلة المنار، ولما وصلوا إلى إندونيسيا تفرقوا على المدارس وقاموا بمهمّتهم خير قيام بإرشاد ومتابعة السوركتي.
(6)
هذه السيره المختصرة لهذا العالم السوداني النحرير.. نموذج لواحده من النماذج التي يتسبب فيها سودانيون لنهضة عدد من الدول.. وتبقى دولتنا محلك سر ومثال (التقدم العمراني في الامارت.. سببها عالم سوداني) (التقدم الكروي في السعودية سببها لاعبين سودانيين ومنهم من تم تجنيسه بالجنسية السعودية، سعيد مصطفى الشهير سعيد السعودي، وكذلك اللاعب ماجد عبد الله الذي ترجع اصولة للسودان، وهكذا.. اين نحن في العمران واين تلك الدول؟ اين نحن في مجال كره القدم واين السعودية؟ اين نحن في مجال نشر علوم القرآن واين إندونيسيا؟ اسئلة حائرة لا تجد لها إجابة شافية.
(7)
اذكر انه في العام (2010م)،كان يجلس على دفة قياده محلية دنقلا الدكتور الفاتح حسين..معتمدا على المحلية،، وكان قد استقدم في ذلك الوقت بعثة اندونيسية بغرض التبادل الثقافي،والمعرفي والتجاري .. وكانت البعثة قد نفذت عدد من العروض والبرامج والمشروعات على خشبة مسرح مهيره بدنقلا.. وما شد انتباهي هو اجاده العنصر الاندونيسي لتلاوه القرآن (كما انٌزل) من حيث التلاوه والترتيل ومخارج الحروف.. ونحن الذين يٌنسب لنا الفضل في تعليمهم.. ولكن إذا قدمنا اي طالب مدرسة في برنامج لتلاوه القرآن لريانا اللحن في القرآن واضح في تلاوته وضوح الشمس في كبد السماء.. وما ذلك إلا لاننا لا ندرب استاذ الماده بالطريقة المثلى لتحفيظ القرآن او اننا نختار من يدرس القرآن لسد النقص فقط لا لخبرته ومعرفته بالمجال.. وهذا من أسباب تقهقرنا.
(8)
من أمثلة التخلف والتقهقر عندنا.. عدم اغتنام الفرص.. وهنا اضع أماكم مقارنه عجيبة في هذا المجال.. ففي الحدود ما بين مصر والسودان.. تجد المعبر السوداني (اشكيت).. والمعبر المصري (ابو سمبل).. في جانب المعبر السوداني كل شئ ينبئ بالتخلف (جوار المسجد حنفية مياه مكسوره المياه والطحالب والعشوائية.. لا يوجد مكان للاستراحه، فيما يتخذ المسافرون المسجد مكانا للاستجمام.. لا يوجد كافتريا مهياه لتناول الطعام.. لا يوجد مكان يقيك من شر أشعة الشمس الحارقة وهكذا).. في الجانب المصري.. كل الأماكن نظيفة من دورات المياه لقضاء الحاجه.. مرورا بالكافتريا.. لتناول اشهي انواع الطعام وللاستجمام.. أماكن الاستراحه مهياه مكيفات وكراسي انتظار.. بمعني إراحة المسافر واستفاده مادية..اما عندنا تعذيب المسافر واضاعه مثل هذه الفرص لرفد خزينة الدوله بالمال.
(9)
مثال آخر – في مطار دنقلا الدولي – ذهبت لاستقبال احد المعارف.. وصلت إلى بوابة المطار.. رجل الاستقبال تعامل فاتر كانه مجبر على العمل هنا.. بادرتة بالقول اني اريد الدخول لانتظار قادم.. فكان رده صادما لي (الطائرة لم تصل بعد.. يمكن أن تذهب إلى المسجد ولمن تسمع صوت الطياره تعال).. تخيل دا حالنا نحن في القرن الحادي والعشرين.. نعتمد على سماع صوت الطياره لتحديد موعد الوصول.. الامر الثاني كنت أتوقع ان أجد كافتريا لتقديم الطعام والمواد الغذائية، ومنها الانتظار لحين وصول القادم.. لا شئ من هذا القبيل.. والغريب مكتوب (مطار دنقلا الدولي).. طيب لو جاء سائح اجنبي ويريد ان ياخذ قسطا من الراحه بالقرب من المطار لا شئ امامه سوي المسجد وربما يكون رجل مسيحي لا يصلي.. ويكون يحمل معه نقد اجنبي تفشل نحن في كيفية جزبها، واستثمارها واستخلاصة منه بتقديم أيسر الخدمات.. فيقوا ي عااااالم من هذا التخلف العجيب.
(10)
خارج النص
يعاني سكان ولاية الخرطوم، من مشاكل متعدده، واوبئة تحاصر السكان في كل مكان.. ووأهم من يعتقد انه يمكن التأقلم ، مع هذه المشاكل في الظروف الحالية، فالبعوض والذباب، وقطوعات المياه والكهرباء،جعلت من حياه العائدين إلى كرش الفيل جحيم لا يٌطاق، فما تنقلة فلاشات وكمرات والي الخرطوم محمد عثمان حمزه لا يمثل الوقع الحقيقي ولا تعبر عن ما تعانيه المدينة من بؤس يورق مضاجع قاطنيها.. فالمسؤلين كل شئ مهيأ ومتوفر لهم اما ناس (قريتي راااحت ديل) لو الواحد منهم جاتو ملاريا سااااكت تجهجه باكاتو.. فالمستشفيات عاجزه عن تقديم خدمة الرعاية الأولية.. ووزاره الصحه عاجزه عن تنفيذ حملات الرش الضبابي الذي يقضي على آفات الذباب والبعوض.. والدولة عاجزه عن خلق بيئة جازبة تشجع السكان للعودة الطوعية لديارهم.. وإن حميات مثل (الضنك – الملاريا – سوء الخدمات.. الخ).. جعلت الكثيرين من العائدين يفرون بجلدهم من هذا الجحيم الذي لا يٌطاق، فنصيحتي لاؤلئك المتجهزين للعوده لديار الخرطوم.. ان يدرسوا الموضوع على نار هادئة، وعافي الله البلاد والعباد من كل الابتلاءات.








