الأستاذ موسى داؤد : يكتب : كلام السلطان … اللجنة الوطنية لفكّ حصار الفاشر: نداءُ الوطن ووحدةُ الضمير السوداني

كلام السلطان
✍️ بقلم: الأستاذ موسى داؤد
اللجنة الوطنية لفكّ حصار الفاشر: نداءُ الوطن ووحدةُ الضمير السوداني
وُلدت اللجنة الوطنية لفكّ حصار الفاشر من رحم الشعب السوداني الأصيل، من صرخةِ وجعٍ استوطنت قلب كل سودانيٍّ حرٍّ أبى أن يصمت أمام الظلم، ومن إحساسٍ جمعيٍّ بالمسؤولية الوطنية تجسّد في شعارٍ خالدٍ: «كلنا الفاشر».
فالفاشر ليست مدينةً محاصَرة فحسب، بل رمزٌ لصمود الوطن وكرامة الإنسان السوداني في وجه الغدر والإرهاب، ومرآةٌ تعكس صلابة هذا الشعب العظيم حين تُحاصر مدنه، لكنه لا ينكسر.
انبثقت فكرة اللجنة من مشاهدِ الألم التي رآها السودانيون وهم يتابعون جرائم مليشيا الدعم السريع الإرهابية ضدّ مواطني الفاشر، حين حاصرت المدينة، ومنعت عنها الغذاء والدواء والماء، وقصفتها بالطائرات المسيّرة والمدافع الثقيلة، حتى طالت نيران الغدر معسكرات النازحين في أبو شوك وزمزم ونيفاشا، فارتُكبت جرائم تهزّ الضمير الإنساني وتخرق كل المواثيق الدولية.
وحين رأى الشعب هذا المشهد الدامي، هبَّ من كل فجٍّ وصوبٍ، معلنًا تضامنه مع أهل الفاشر، فانبثقت المبادرات الشعبية من المدن والقرى والمهجر، تجمع الدواء والغذاء والكلمة الصادقة. ومع اتساع رقعة العمل، اجتمع الحكماء والعقلاء لتوحيد الجهود تحت مظلة وطنية واحدة، فكانت هذه اللجنة التي تحوّلت إلى مشروعٍ قوميٍّ جامعٍ، يهدف إلى ترسيخ الوحدة الوطنية وبناء الوجدان السوداني على أسس العدل والمحبة والانتماء.
أدركت اللجنة منذ بداياتها أنّ الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالصدق والإخلاص، وأنّ إعادة إعمار السودان لا تبدأ بالحجارة، بل بترميم القلوب وغرس روح التكافل بين أبناء الوطن الواحد. ومن هذا الإدراك انطلقت اللجنة ببرنامجٍ إعلاميٍّ منظمٍ، يحارب خطاب الكراهية، ويُعزّز قيم التعايش والمواطنة، لتكون منبرًا نقيًّا يجمع السودانيين على كلمة سواء.
تكوّنت اللجنة الوطنية من مختلف فئات الشعب السوداني: من الشباب والنساء، من المثقفين والعمال، من المزارعين والرعاة، من دارفور إلى البحر الأحمر، ومن حلفا إلى كاودا، كلهم اجتمعوا تحت رايةٍ واحدة: «الفاشر في قلوبنا».
فهي لا تدافع عن مدينةٍ بعينها، بل عن كرامة السودان كلّه، وعن وحدته التي تُراد لها الفرقة، وعن سيادته التي يريد الأعداء أن يعبثوا بها.
وقد أبدعت إذاعة أم درمان – صوت السودان الأول حين بثّت من نيالا في نهاية القرن الماضي نشرتها الإخبارية مرددةً عبارةً خالدة:
> «هنا نيالا… إذاعة جمهورية السودان»،
فغدت تلك العبارة نشيدًا للوطن الكبير الممتد من النيل إلى الجبل، ومن السهل إلى البحر، تُعيد فينا معنى الانتماء الخالص للوطن الأم، وترسّخ المقولة الباقية: «كل أجزائه لنا وطن».
إنّ اللجنة الوطنية لفكّ حصار الفاشر تُجسّد اليوم ضمير السودان الحيّ، وتُذكّرنا بموقف الشعب الأبيّ الذي وقف شامخًا إلى جانب قواته المسلحة منذ اللحظة الأولى لبداية الحرب، فكانت اللجنة صوت الشعب وصورة تضامنه، تجسيدًا للإرادة الحرّة التي لا تنكسر، والوجدان النقيّ الذي لا يعرف الحقد ولا الانقسام.
ولأنّ الشعوب العظيمة لا تُقاس بما تملك من موارد، بل بما تختزنه من قيمٍ ومبادئ، فقد لقّن الشعب السوداني العالمَ درسًا في الكرامة، إذ أعجز المنظمات الدولية التي كانت تبحث عن ذريعةٍ للتدخل، وأفشل مخططاتٍ كانت ترمي إلى تفكيك الوطن وتشويه وعي إنسانه، ليُستبدل فكرُه الأصيل بعُملةٍ رخيصة، ويُباع الوطن بثمنٍ بخسٍ عند بوابات السفارات.
لكن السودان — الذي أنجب الفاشر الصامدة، واحتضن القضارف الكريمة، ورفع من سنار العريقة رايات المجد — لن يُباع ولن يُشترى. فشعبه هو صانعُ التاريخ لا تابعُه، وهو الذي يكتب اليوم بدمائه ملحمة الوفاء للوطن.
ختامًا،
اللجنة الوطنية لفكّ حصار الفاشر ليست كيانًا تنظيميًّا فحسب، بل ضمير أمةٍ حيّةٍ توحّدت قلوبها على حب السودان.
هي رسالةُ وعيٍ ووفاءٍ تُذكّر الجميع أن الوطن حين يُحاصَر، لا تُكسر إرادته، بل تتجدّد عزيمته.
وما الفاشر إلا رمزٌ لصبرنا الجميل، ووحدتنا الخالدة، وعنوانٌ لعزة هذا الشعب الذي علّم الدنيا معنى أن يكون الإنسان حرًّا في زمن الانكسار.
كلنا الفاشر… وكلنا السودان.








