بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :التجديد ضرورة… لا نقمة: إستقالة المؤسس ورحلة الجامعة الوطنية إلى المستقبل

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :التجديد ضرورة… لا نقمة: إستقالة المؤسس ورحلة الجامعة الوطنية إلى المستقبل
انتشرت في الجامعة همسات القلق بعد إعلان إستقالة البروفيسور قرشي محمد علي، مؤسس ورئيس الجامعة الوطنية لعشرين عاماً. بعض الناس خافوا من أن تتراجع الجامعة أو تتعثر خطاها بعد خروج الرجل الذي بنى اللبنات الأولى ورعى هذه المؤسسة في سنواتها الأصعب. ومع تقدير هذه المشاعر، فإن من المهم أن ننظر إلى المشهد بعقلانية لا بهواجس، وأن نستحضر حقيقة بسيطة قلّ من ينتبه إليها: المؤسسات القوية لا تنهض برجل واحد، ولا تسقط بخروجه.
لقد كتبت لأحد الإخوة قائلاً:، “إذا كانت الجامعة لا تستمر إلا به فلتذهب غير مأسوف عليها.” وهذه الجملة، وإن بدت حادة، إلا أنها تحمل جوهر الفكرة: إذا كان وجود فرد واحد هو صمام الأمان لمؤسسة بهذا الحجم، فالمشكلة ليست في رحيله بل في تركيبة المؤسسة نفسها.
فالتمسك بالمناصب يهدد المكاسب والكنكشة —خاصة المناصب القيادية—هي أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة بالضمور. فالبقاء الطويل بلا تجديد يؤدي إلى ترهل في الأفكار، وجمود في الآليات، وربما إلى أخطاء تتراكم بصمت حتى تنفجر في لحظة ما. الاستمرار بلا حدود قد يلتهم ما بناه الإنسان نفسه من رصيد نجاحات، وهذا ما أدركه المؤسس الراحل بطريقة نادرة وشجاعة.
والبروفيسور قرشي قالها بوضوح وصراحة تُحسب له:
“يا جماعة أنا فهمي كمل، واستمراري يزيد أخطائي ويأكل من رصيد نجاحاتي.” هذه الجملة وحدها تكشف معدن الرجل، وتؤكد أن الاستقالة هي ليست هروبا بل هي منتهي الإدراك بالمسؤولية.
إن التجديد سنة من سنن الله في الأرض. والدول المتقدمة لا تنهض إلا بالتداول المنتظم للسلطة، وبضخ دماء جديدة في مواقع القرار. وكذلك المؤسسات الكبيرة، خاصة الجامعات؛ فالعلم بطبيعته يتجدد، وتطوير المناهج يحتاج إلى أفق جديد، وتوسيع البرامج يحتاج إلى قيادة نشطة ترى المستقبل بعيون مختلفة. ولم يحدث في تاريخ أي جامعة محترمة—هارفارد، أكسفورد، القاهرة، الخرطوم—أن بُنيت على شخص واحد. المؤسس يضع الأساس، ثم يأتي من بعده من يواصل المسيرة، ويضيف، ويطور، وربما يصحح. هذه هي طبيعة العمل المؤسسي الصحي.
إن الخوف من التغيير طبيعي، خاصة حين يرتبط بشخصية ذات وزن تاريخي مثل البروفيسور قرشي. لكن الأكثر خطورة من التغيير هو الجمود. والأصح أن ننظر إلى استقالته كـنقطة انتقال لا كنهاية، وكفرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، واختيار قيادة جديدة تحمل الراية بثقة وتواضع وكفاءة. فالجامعة الوطنية ليست مبنى من طابقين، ولا شركة من عشرين موظفاً. هي مؤسسة أكاديمية تجاوز تأثيرها الحدود، وخرّجت آلاف الأطباء والصيادلة والممرضين والمهندسين، وأسهمت في رفع جودة التعليم الطبي بالسودان. مثل هذا الصرح لا يتوقف على شخص، مهما كان قدره. فما علينا إلا أن نشكر البروفيسور قرشي على ما قدّم، فهذا حقه وواجبه، لكن علينا أيضًا أن نمضي بثقة نحو المستقبل. فالمؤسسة التي لا تجدد نفسها تشيخ قبل وقتها، أما التي تجدد قيادتها وتعطي الفرصة لجيل جديد، فهي التي تبقى وتزدهر. هكذا تمضي الأمم الناجحة، وهكذا ينبغي أن تمضي الجامعة الوطنية: برؤية واضحة، وقيادة متجددة، وبإرادة تصنع الغد ولا تبكي على الأمس.








