الفاتح داؤد يكتب،،، أجراس العودة: مجالس تربوية في مواجهة العاصفة، فوارق حادة في التخصصات الأساسية…

الفاتح داؤد يكتب،،،
أجراس العودة: مجالس تربوية في مواجهة العاصفة، فوارق حادة في التخصصات الأساسية…
أعلنت وزارة التربية والتعليم بولاية القضارف أن يوم غدٍ الإثنين، الأول من يونيو، سيكون موعد انطلاق العام الدراسي لجميع المراحل التعليمية بالولاية. ورغم أهمية الالتزام بالتوقيت المحدد لضمان استقرار العملية التعليمية، فإن الواقع الاقتصادي يضع الجميع ــ من أسر التلاميذ والمجالس التربوية وإدارات المدارس ووزارة التربية والتعليم ــ أمام معركة حقيقية متعددة الجبهات.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات الضغط الاقتصادي المتزايد الذي أثقل كاهل أولياء الأمور، بعد أن استنزفت التزامات عيد الأضحى مدخرات الأسر المحدودة، لتجد نفسها أمام استحقاقات جديدة مرتبطة بالعام الدراسي، تشمل الرسوم الدراسية وتجهيزات التلاميذ من حقائب وزي مدرسي ووسائل ترحيل ووجبات يومية. وهي أعباء قد تفوق قدرة كثير من الأسر على التحمل.
ولذلك، فإن الحاجة باتت ملحة لتقديم حوافز تشجيعية تسهم في تفعيل أسواق البيع المخفض للمستلزمات المدرسية، وتشجيع المبادرات المجتمعية الهادفة إلى دعم الأسر الفقيرة، إلى جانب تبني برامج لتدوير الكتب المدرسية وإعادة توزيعها مجاناً على التلاميذ المحتاجين.
ومن التحديات الأخرى التي تواجه المجالس التربوية وإدارات المدارس، إعادة تأهيل البيئة المدرسية عبر صيانة المباني وتوفير الإجلاس وتحسين بيئة العمل للمعلمين، الذين يمثلون حجر الزاوية في نجاح العملية التعليمية، لا سيما في ظل شح الموارد المالية بالمحليات.
ويتطلب هذا التحدي تفعيل دور المسؤولية المجتمعية للشركات والبنوك ورجال الأعمال والتجار وكبار المزارعين، للمساهمة في دعم صيانة المدارس وتوفير احتياجاتها الأساسية، خاصة في القرى والمناطق الريفية القريبة من مناطق الإنتاج الزراعي.
الى جانب ذلك، لا تزال هناك فجوة كبيرة في توفير الكتاب المدرسي، فضلاً عن اختلال التوزيع العادل للمعلمين في بعض التخصصات الأساسية، مثل الرياضيات واللغة الإنجليزية، وهي مشكلة تعاني منها معظم المحليات البعيدة. وتنعكس هذه الأزمة بصورة مباشرة على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، في وقت تستأثر فيه مدينة القضارف بالنصيب الأكبر من الكوادر التعليمية المؤهلة.
ومن هنا تبرز ضرورة تقديم حوافز إضافية للمعلمين الراغبين في العمل بالمحليات الطرفية، أو الاعتماد مؤقتاً على نظام “المعلم الجوال” لتغطية عدد من المدارس المتقاربة جغرافياً، ريثما تتم معالجة النقص بصورة مستدامة.
ولتجاوز بعض هذه التحديات، لا بد من استقطاب دعم المنظمات الدولية والوطنية، وفي مقدمتها منظمة اليونيسف، إلى جانب المبادرات المجتمعية، لإسناد عشرات الآلاف من التلاميذ الفقراء الذين أصبح مستقبلهم التعليمي مهدداً ما لم تتدخل جهات داعمة بصورة عاجلة.
وفي المقابل، ينبغي على وزارة التربية والتعليم إعداد قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، بالتنسيق مع لجان الأحياء والمجالس التربوية، لحصر الطلاب الأكثر احتياجاً، وتقديم هذه البيانات للمنظمات الدولية والمحلية بغرض توفير الحقيبة المدرسية المتكاملة، ودعم مشروع الوجبة المدرسية المجانية، الذي أثبتت التجارب نجاحه في تعزيز الاستقرار الدراسي والحد من التسرب.
أما ظاهرة التسرب المدرسي، فقد تجاوزت كونها مجرد هاجس تربوي لتصبح قنبلة موقوتة تهدد الأمن والاستقرار الاجتماعي. فالأطفال الذين يغادرون مقاعد الدراسة يجد كثير منهم أنفسهم عرضة لعمالة الأطفال والتشرد والجريمة ومختلف أشكال الاستغلال، الأمر الذي يحول القضية من شأن تعليمي إلى قضية أمنية ومجتمعية بالغة الخطورة.
ومن ثم، فإن تفعيل إلزامية التعليم الأساسي، إلى جانب تقديم الدعم والمساندة للأسر غير القادرة، يمثلان ضرورة لا تحتمل التأجيل، حفاظاً على حق الأطفال في التعليم وحمايةً للمجتمع من التداعيات السلبية للتسرب المدرسي.
كما أن مراعاة خصوصية ولاية زراعية مثل القضارف تقتضي قدراً من المرونة في التقويم الدراسي. فخلال مواسم الحصاد يضطر بعض الطلاب إلى ترك الدراسة للمشاركة في الأنشطة الزراعية، مما يستدعي دراسة آليات لتكييف التقويم الدراسي أو تنظيم الساعات الدراسية بما يتوافق مع طبيعة المنطقة، دون الإخلال بأهداف العملية التعليمية أو محتوى المناهج.
في النهاية، فإن نجاح العام الدراسي لا يتوقف على قرار فتح المدارس وحده، بل يعتمد على قدرة المجتمع والحكومة معاً على توفير بيئة تعليمية جاذبة وآمنة..








