عمر دمباي : يكتب : المخالفات والتنظيم بالقضارف .. تحدي تحويلها من خوف إلى التزام ومن عقوبة إلى وعي

المخالفات والتنظيم بالقضارف .. تحدي تحويلها من خوف إلى التزام ومن عقوبة إلى وعي
بقلم عمر دمباي
تطبيق قانون المخالفات والتنظيم والتجميل بولاية القضارف مثّل واحدة من التجارب الإدارية الجريئة التي أعادت النقاش حول العلاقة بين القانون والعادات الاجتماعية، وحول حدود الدولة في فرض النظام العام داخل مجتمع ظل طويلاً يحتكم إلى الأعراف أكثر من النصوص القانونية.
مدير الإدارة، حسان أحمد، أقرّ بأن التجربة ما زالت حديثة العهد على مجتمع القضارف، رغم أنها ممارسة مألوفة في ولايات أخرى، وأشار بوضوح إلى أن “القضارف عرفت بأنها بلد الجوديات أكثر من القانون”، وهي عبارة تختصر جوهر الإشكالية بين ثقافة المجتمع المحلي والأنظمة الحديثة، فالناس هنا اعتادوا أن تُحل الخلافات بالحسنى، وأن يُنظر إلى الشارع والأسواق كمساحات مفتوحة للجميع، بلا قيود ولا تنظيم، حتى غاب مفهوم “الحق العام” لصالح “الحق الشخصي”.
لكن ما يلفت النظر أن الإدارة رغم وجاهة خطوتها لم تُسبق بحملة توعية وتواصل مجتمعي كافيين فالقانون الذي يُفرض دون شرح أو حوار يُولّد مقاومة طبيعية، وهذا ما حدث حينما روّجت بعض المجموعات بأن كل “فرندة” أصبحت مخالفة، وأن القانون يستهدف أرزاق الناس، بينما الحقيقة أن الهدف كان إعادة الانضباط والنظافة والجمال للمدينة، لا التضييق على المواطنين.
في ميزان التحليل، يمكن القول إن إيجابيات القانون تفوق سلبياته، فقد أعاد هيبة الدولة إلى الشارع، وفتح المسارات في الأسواق، ومنع الفوضى البصرية والسلوكية، بل إن الإدارة مضت أبعد من ذلك حين تدخلت للحد من ظاهرة جلوس الطلاب بالزي المدرسي في المقاهي أثناء ساعات الدراسة، وهي خطوة رمزية لكنها تحمل رسالة تربوية مهمة.
ومع ذلك، تظل التجربة بحاجة إلى مراجعة في جانبها الاتصالي والإرشادي، فالقانون مهما كان محكماً، لن ينجح ما لم يؤمن به الناس، والمجتمعات لا تتغير بالقرارات وحدها، بل بالحوار والإقناع والتدرج في الإصلاح.
إن تجربة إدارة المخالفات بالقضارف تصلح كنموذج مصغّر لما تحتاجه الدولة السودانية اليوم، وهي تقوم على موازنة بين تطبيق القانون واحترام الخصوصية الاجتماعية.
فحين يفهم المواطن أن النظام ليس خصماً عليه بل حماية له، تتحول المخالفة من خوف إلى التزام، ومن عقوبة إلى وعي.







