بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :المرأة وصوت الوطن: تاريخ الإذاعة والتلفزيون في السودان ودور الرائدات في تشكيل الذاكرة السمعية

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :المرأة وصوت الوطن: تاريخ الإذاعة والتلفزيون في السودان ودور الرائدات في تشكيل الذاكرة السمعية.
يُعتبر السودان من أوائل الدول الإفريقية والعربية التي عرفت البث الإذاعي والتلفزيوني؛ فقد أُنشئت الخدمة الإذاعية السودانية في مطلع الأربعينيات إبّان الحرب العالمية الثانية، عندما أطلق الاستعمار البريطاني بثًّا إذاعياً موجهاً عام 1940 استمر نصف ساعة يومياً، يخلط بين الأخبار والموسيقى والمواد الثقافية، وكان البث ينطلق حينها من مكاتب البريد في أم درمان قبل اكتمال تأسيس البنية المؤسسية للإذاعة. ومع نهاية الحرب، تحوّلت الإذاعة تدريجياً من أداة دعاية حربية إلى منبر وطني ينقل أخبار البلاد ويربط بين أطرافها، ويعبّر عن صوت الناس في المدن والقرى والبوادي، حتى أصبحت عبارة “هنا أم درمان” جزءاً أصيلاً من الذاكرة السمعية للسودانيين. وفي مطلع الستينيات بدأت مرحلة جديدة مع دخول التلفزيون السوداني إلى البث الرسمي عام 1962، ثم تحوّله إلى خدمة وطنية عام 1963، وتوسّع إرساله في السبعينيات، وانتقاله إلى البث الملوّن في عام 1976، فغدت الإذاعة والتلفزيون مؤسسة قومية واحدة تمتلك واحداً من أكبر الأرشيفات السمعية البصرية في إفريقيا.
وفي قلب هذا التاريخ الطويل، جاء صوت المرأة السودانية حاضراً بوعي وثبات، لا كضيف عابر في البرامج، بل كصانعة للوجدان ومؤسسة لمدرسة إعلامية فريدة. فمنذ البدايات الأولى للإذاعة برزت أصوات مذيعات امتلكن حضوراً قوياً وثقافة رفيعة وقدرة على مخاطبة الجمهور بثقة وذكاء، فكان صوت المرأة جزءاً من بناء الهوية الإعلامية للسودان. وقد حافظت هؤلاء المذيعات على حضور بصري وثقافي يعكس روح البلاد، فكان الثوب السوداني عنواناً للوقار والأناقة على الشاشة، وكانت اللمسات الخفيفة من الزينة والحناء جزءاً من الهوية لا من المبالغة، فحملن إلى المشاهد والمستمع صورة المرأة السودانية المحتشمة المعتزة بثقافتها.
وكان للرعيل الأول من المذيعات فضلٌ كبير في تمهيد الطريق؛ فقد خرجن إلى العمل الإعلامي في وقت كانت فيه مشاركة المرأة في الفضاء العام محدودة ومحاطة بالتحفظ الاجتماعي. ومع ذلك أثبتن قدرة فائقة على الجمع بين المهنية العالية والالتزام الأخلاقي، وقدمن نموذجاً متوازناً جعل المجتمع يقبل حضور المرأة في الإعلام بثقة واحترام. لم يكسرن الحواجز بالصوت المرتفع أو التحدي المتصادم، بل بالاتزان والرصانة وحسن الأداء، فصار حضورهن جزءاً من الحياة اليومية للسودانيين. ولولا شجاعتهن الهادئة لما استطاعت الأجيال اللاحقة أن تدخل هذا المجال بيسر واتساع.
ولم يكن دور المذيعة السودانية في تلك الفترة أقل شأناً من دور المعلمة الرائدة التي قادت حركة التنوير داخل الفصول الدراسية. فإذا كانت المعلمة تفتح عيون الأطفال على العالم من خلال الكتاب، فإن المذيعة كانت تفتح آذان الأسر على المعرفة والخبر والثقافة من خلال الأثير. كلاهما قادتان في مجتمع يسير نحو التحديث: المعلمة في الفصل، والمذيعة خلف الميكروفون، وكان لصوتهما الأثر الأعمق في تشكيل وعي جيل كامل وبناء قيم الانفتاح والتهذيب والمعرفة.
وبرزت خلال العقود اللاحقة أسماء كثيرة صنعت ملامح الإذاعة السودانية. فقد تركت سكينة عربي أثراً بالغاً في برامج الأسرة منذ الستينيات، وأسهمت سميرة مدني في تطوير هذا اللون من البرامج منذ عام 1960، بينما جاءت أصوات مضيئة من الإذاعات الإقليمية مثل ابتسام الصادق بشرى، وابتهاج قوي، وآمنة سليمان، وأماني مرحوم الجاك، والمرحومة امتثال الدالي، وأمل عبدالغفار، وزحل موسى، وغيرهن كثير. وارتبط المستمع السوداني ببرامج شهيرة مثل “الإذاعة والمستمع” لإخلاص علي عبدالعزيز، و“عيادة على الهواء” لإسراء زين العابدين، و“صباحكم زين” عبر صوت ابتهـاج قوي، وبرنامج “الصباح رباح” الذي أصبحت سارة محمد عبدالله أيقونته الأشهر.
ومن بين التجارب الفريدة التي انتقلت من الإذاعة إلى الفضاء الثقافي الأرحب، تبرز تجربة الشاعرة روضة الحاج التي بدأت حضورها من خلف الميكروفون قبل أن تشتهر على مستوى الوطن العربي بقصائدها الفصيحة ونيلها جوائز كبرى مثل سوق عكاظ وشاعر المليون، فأصبحت رمزاً للمرأة السودانية التي تجمع بين الصوت الإعلامي والحس الإبداعي.
ومع دخول التلفزيون إلى حياة السودانيين منذ مطلع الستينيات، انتقلت المرأة من الصوت إلى الصورة، فكانت رجاء أحمد جمعة أول مذيعة تلفزيونية سودانية، ثم ظهرت أجيال من المذيعات اللواتي أصبحن من أعمدة الشاشة، مثل شادية خليفة، وليلى عوض، وليلى المهدي، ثم ليلى المغربي التي لُقبت “نجمة المايكروفون” و“سيدة المذيعات”، وشاركت في أعمال درامية وبقيت صوتاً ووجهاً لا يُنسى قبل رحيلها المفجع عام 1999 أثناء أداء الحج. كما تواصل حضور المرأة في نشرات الأخبار والبرامج السياسية والمنوعات عبر أسماء مثل محاسن سيف الدين، وعفاف صفوت، ونازك محمد ابنعوف، ونايلة ميرغني، وسعاد أبوعاقلة وغيرهن كثير.
ولم يقتصر تأثير المذيعة السودانية على داخل الوطن، فقد امتد صوتها إلى الإذاعات العربية في الخليج ومصر والشام، عبر أصوات مثل الهام أحمد الطيب، وغادة أبشر، وإخلاص النوراني، وصفية العريفي، ومواهب الجعلي، ممن حملن نبرة الصوت السوداني وثقافته إلى فضاءات أوسع.
وفي العقود الأخيرة تطورت الإذاعة والتلفزيون باتجاه الرقمنة، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي واجهها الأرشيف السمعي والبصري خلال فترات الاضطراب السياسي. وقد لعب العاملون والعاملات – ومن بينهم عدد من المذيعات – دوراً محورياً في إنقاذ آلاف الساعات من التسجيلات التي تعود إلى أربعينيات القرن الماضي، حفاظاً على ذاكرة السودان الإعلامية للأجيال القادمة.
وهكذا، فإن استعراض أسماء المذيعات من الرائدات الأُول إلى الجيل الجديد، ليس مجرد سرد لسير شخصية، بل هو قراءة في تاريخ وطن تشكّلت ملامحه عبر الصوت. فالمذيعات السودانيات كنّ جزءاً من الوجدان الجمعي، وصدى المدن والقرى، ورسائل التنوير الأولى، وحارسات اللغة، وسفيرات الجمال السوداني، وبنات الأثير اللواتي حملن صوت السودان إلى الداخل والخارج. وهنّ بحق صوت الوطن كما ينبغي: واضحاً، مهذباً، صادقاً، ومعبّراً عن ثقافته وقيمه.
المراجع
1. تقارير اليونسكو حول حفظ وترميم أرشيف الإذاعة السودانية.
2. Sudan Tribune – تقارير تاريخية عن نشأة البث الإذاعي في السودان.
3. ويكيبيديا – Sudan National Broadcasting Corporation / Sudan Radio / Sudan National Television.
4. Sudan Digital Heritage Project – مشروع رقمنة الأرشيف السمعي–البصري السوداني.
5. دراسات أكاديمية حول التلفزيون السوداني في الستينيات والسبعينيات.
6. وثائق حول «وحدة أفلام السودان» منذ الأربعينيات.
7. صفحة «هنا أم درمان – الإذاعة السودانية» (المصدر الرئيس لتوثيق سير المذيعات).
8. مقابلات ومقالات منشورة في صحف الخرطوم حول تاريخ المذيعات.








