بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :بعض الدروس المستفادة من حرب أبريل ٢٠٢٣.

كانت هذه الحرب — بكل ما حملته من دمار ونزوح وخراب — حربًا لا بدّ أن تقع. لم تفاجئ من كان يقرأ المشهد السوداني بعمق؛ فكل المؤشرات كانت تؤكد أنها قادمة، وأن اللحظة التي تنفجر فيها ليست سوى مسألة وقت. كان الاحتقان السياسي والاجتماعي قد بلغ مداه، والخطاب العام امتلأ بالتشنج والحدّة، والاستقطاب الفكري بلغ درجة يختلط فيها الرأي بالخيانة، والموقف بالتخوين، والاختلاف بتهديد وجودي. تحوّل النقاش العام إلى حلبة قتال، والفضاء السياسي إلى ميدان شيطنة وإقصاء، تُستهدف فيه الأفكار قبل أصحابها، وتُحاصَر فيه الأصوات قبل أن تتكلم.
ومع هذا الانفلات العاطفي والفكري، كانت الدولة تتراجع خطوة بعد أخرى. فقد تدهور التعليم إلى حدٍّ أصبح معه مبنى المدرسة حاضرًا وروحها غائبة. المعلم بلا تدريب، والطالب بلا بيئة تعلم حقيقية، والفصول بلا تجهيزات، والمناهج بلا تطوير، والقرى بلا مدارس كافية. وبينما تكاثرت المدارس الخاصة دون رقابة، ظلّ التعليم العام ينهار بصمت، متراجعًا أمام متطلبات الحياة وقسوة الظروف وعشوائية التخطيط.
ولم يكن التعليم وحده الذي تهالك؛ فالصحة بدورها تعرضت لانهيار قاسٍ. المستشفيات الحكومية ضعفت إمكاناتها، وتراجعت خدماتها، وأصبح العلاج امتيازًا لا حقًا. مريضٌ ينتظر بلا دواء، وآخر يبحث عن مستشفى خاص يمكنه دفع تكاليفه. تحول المرض إلى عبء اقتصادي، لا إلى حالة تستدعي رعاية الدولة. ومع كل ذلك، ازداد الضعف في النظام الصحي حتى صارت الصحة تُباع وتُشترى، لا تُقدَّم باعتبارها من الحقوق الأساسية.
أما التوظيف فكان الوجه الأكثر وضوحًا لمشكلة عميقة: جهاز دولة مترهل، خدمة مدنية منهكة، غياب فرص حقيقية للشباب، وتضاءل الأمل في وظيفة مبنية على الجدارة. تراجعت قيمة الكفاءة، وتقدمت المحسوبية، وغلبت الولاءات الأسرية والقبلية والجهوية في كثير من مفاصل التعيين. وجد آلاف الشباب أن شهاداتهم لا تفتح الأبواب، وأن المستقبل مرهون بشبكات العلاقات لا بقدراتهم، فتحول الإحباط إلى طاقة قابلة للاشتعال.
وفي الخلفية، تنامت القبلية والجهوية، حتى طغت على الهوية الوطنية. لم تعد القبيلة إطارًا اجتماعيًا طبيعيًا، بل صارت مشروعًا سياسيًا موازياً، يحرك الولاءات، ويغذي الانقسام، ويضعف مفهوم المواطنة. كلما ضعفت الدولة، قويت القبيلة، وكلما غابت التنمية، حضر الانحياز الجهوي، فصار الوطن خارطة متجاورة من الانتماءات الصغيرة بدل أن يكون وحدة واحدة تتشارك المصير.
وفيما كان هذا التفكك يتمدد، غاب الإعلام عن دوره الحقيقي. بدل نشر ثقافة السلم المجتمعي وتعزيز الوعي والتنمية المستدامة، انشغل ببرامج التسلية السطحية، وباللهو السمج، وبإعادة استنساخ الفنانين بلا أي إضافة. تراجع دور الإعلام التنويري، وغابت البرامج الجادة، ففقد المجتمع أحد أهم أدوات بناء الوعي. لم يكن الإعلام مرآة للمجتمع بقدر ما صار مرآة لسطحية اللحظة.
وانشغلت الأسر بدورها بمظاهر لا تبني وعيًا ولا تصنع أجيالًا. حفلات تخريج أطفال الروضة تحولت إلى مهرجانات صاخبة بأزياء وزينة وكاميرات وصالات، بلا معنى تربوي أو تعليمي. وكبر الأطفال فكبرت معهم الظاهرة، فأصبح تخريج الجامعات مظاهرة استعراضية في اللباس والمكياج والصور، بدل أن يكون محطة تفكير ومسؤولية وانطلاقة نحو المستقبل. تعمقت ثقافة المظهر على حساب الجوهر، وامتلأت البيوت بالطقوس الاجتماعية التي لا تغذي العقل ولا الروح.
هذه التفاصيل ليست ثانوية كما يظن البعض؛ فهي جزء من منظومة انهيار أكبر. حين يفقد المجتمع اهتمامه بالوعي، ويحوّل المناسبات التعليمية إلى كرنفالات، ويفقد الإعلام بوصلته، وتنهار المدرسة، ويضعف المستشفى، ويتراجع التوظيف، وتتصاعد القبلية، يصبح المجتمع كله جاهزًا للانفجار. ليس لأن السلاح قوي، بل لأن الوعي ضعيف.
الحرب لم تصنع أزمتنا؛ بل كشفتها. كشفت الفراغ التربوي، والانهيار المؤسسي، وتآكل المشروع الوطني. كشفت كيف يمكن لبلد بلا رؤية أن ينهار، وكيف يتحول الاستقطاب إلى حرب، والخلاف إلى سلاح، والانتماء إلى انقسام. ولم تكن المشكلة يومًا في أشخاص ظهروا في المشهد، بل في البيئة التي صنعتهم، في الفراغ الذي أتاح لهم أن يتقدموا، في الدولة التي تراجعت وتركت الساحة لهم.
ومع ازدياد قوافل العودة واقتراب ساعة إعادة الإعمار، على السودانيين — أفرادًا وجماعات — أن يستحضروا التجارب التي عاشوها في سنوات النزوح والهجرة. فقد وجد كثير منهم أنفسهم في مدن لم يكونوا يعرفونها، ومع شعوب مختلفة في عاداتها ونظامها وثقافتها وإيقاع حياتها. وهناك، تعلّموا أن الأمم لا تتقدم بالصدف، بل بالانضباط واحترام الوقت، وبترتيب الأولويات، وبقوة المؤسسات، وبثقافة العمل، وبالإحساس الجمعي بأن المصلحة العامة فوق الجميع. وما شهدوه في بلدان المهجر ليس مجرد تفاصيل يومية، بل دروس كبرى يمكن أن تُعاد بها صياغة العقل السوداني. فالنزوح والهجرة — رغم ألمهما — كانا نافذة على عالم أكثر تنظيمًا، وعلى قيم أكثر صرامة في احترام القانون، وعلى مجتمعات تُقدّر العلم وتكرّم العمل وتحمي الوطن. وإذا عاد السودانيون دون أن يحملوا هذه الدروس معهم، فسنكون كمن عاد من السفر بلا زاد. أما إن عادوا حاملين هذا الوعي الجديد، فلعلّ الخراب يتحول إلى فرصة، ولعلّ مستقبل الوطن يُبنى على عقلٍ أكثر اتساعًا وخبرة وصلابة مما كان من قبل.
الدروس المستفادة اليوم واضحة وصارخة:
لا دولة بلا تعليم قوي.
لا مجتمع بلا إعلام واعٍ.
لا سلم بلا عدالة.
لا فرص بلا توظيف قائم على الجدارة.
لا مستقبل بلا مشروع وطني جامع.
ولا وطن حين تتقدم القبيلة على الدولة، والجهة على المصلحة العامة، والصوت العالي على صوت العقل.
علينا أن نعيد بناء المدرسة، ونستعيد هيبة الإعلام، ونصلح نظام الصحة، ونعيد الثقة في الخدمة المدنية، ونقتل الفكرة التي صنعت هذه الحرب: فكرة اللامشروع، واللامبالاة، واللامساواة، وثقافة المظهر على حساب الجوهر.
فإن ماتت الفكرة التي صنعت الحرب… عاش الوطن.
٢٧ نومبر ٢٠٢٤








