دكتور حسن موسى يوسف يكتب : الحرب والتاريخ الديمغرافي للسكان في السودان

المقال الثاني: حقبة الفراغ الديمغرافي.. هل يعاني السودان من الفراغ الديمغرافي؟
تُعد الخريطة الديمغرافية ومكوناتها في السودان واحدة من أكثر اللوحات أهمية للسياسة والتنمية والاستقرار، ولكنها مهملة ويُساء فهمها. وترسم ابعاد وتداخلات هذه الخريطة وتعقيداتها ملامح تساؤلات جوهرية في إطار وفرة موارد وثروات الارض ومواطنة وهوية وانسانية البشر: هل تعاني ارض السودان الرحبة الثرية بالموارد الطبيعية والمعادن من فراغ ديمغرافي؟ أم أن السودان يعاني من نقص في الكفاءات البشرية لإدارة اراضيه وحمايتها والدفاع عنها واستثمار مواردها وثرواتها في التنمية والاستقرار؟
حينما تتفكر في هذه الخريطة ويدور في عقلك مثل هذه التساؤلات المهمة للبحث والدراسة، لابد من الرجوع للتاريخ الديمغرافي للسودان، لتكتشف من دراسته ان الفراغ الديمغرافي مفهوم نسبي ساد في العديد من الاوساط والدوائر الخارجية التي تلهث خلف موارد الارض وثرواتها وتهمل الانسان وتنظر له كمورد للضرائب ولتجارة الرقيق وتجنيد الرجال الشجعان للقتال. لقد ساد هذا المفهوم الخاطئ وصار وصمه اثناء فترة الحكم التركي المصري للسودان (1821-1881) والذي ادت ممارساته الظالمة والمجحفة في حق البشر الى قيام الثورة المهدية (1881-1898). وتوضح بعض الدراسات[1] أن عدد السكان خلال فترة المهدية يقدر بأقل من 3 مليون نسمة، وقد مهد الوضع السكاني السائد حينذاك، مقروناً مع الخلافات السياسية والقبليّة والمجاعة، لحملة استرجاع السودان (1896-1898)، والتي أدت بدورها لهلاك عدد كبير من البشر.
ومن الواضح ان وصمة الفراغ الديمغرافي تصور السودان في الخارج بالأرض الرحبة والموارد الخصبة امتداد جغرافي فارغ من السكان لشح البشر فيه مما يفتح الشهية للتدخلات الخارجية. ويرجع خطا هذا المفهوم لوصف الشح السكاني بالمعنى الاحصائي الصرف (عدد السكان) دون اعتبار لصلة البشر بالأرض لفهم طبيعة حياة الانسان فيها. وقد سادت الحياة البدوية والزراعة التقليدية لقرون في السودان، حيث تطلب هذه الانشطة مساحات واسعة من الاراضي لتربية المواشي والزراعة المطرية. ويمثل ذلك قصور واضح في فهم ثنائية الارض والسكان وعدم إدراك الابعاد الجيوسياسية للتغيرات التي تحدث في هذه الثنائية خلال الحقب التاريخية المختلفة، كما سوف يتم توضيحه في المقالات القادمة.
لقد تجسدت وصمة الفراغ الديمغرافي بوضوح خلال فترة الاستعمار البريطاني (1898 – 1956) حيث كانت امكانيات السكان المحليين في توفير الأيدي القادرة على العمل لا يمكن أن تفي بالطلب العالي عليها، وذلك بسبب الأنشطة الحديثة الاقتصادية والادارية التي ادخلها الاستعمار، خاصة في مجالات الري والزراعة المروية، والبنيات التحتية للإدارة والحكم المحلي والتنمية العمرانية في العاصمة الخرطوم وفي المدن في مناطق الإنتاج والترحيل والتصدير. ولكي يواجه المستعمر هذه الضائقة اتخذ سياسة توجيه الهجرات التقليدية الداخلية للعمل والاستقرار السكاني في مناطق الإنتاج وخدمات التصدير، خاصة منطقة الجزيرة. وقد ساعد على ذلك التطور الذي حدث في وسائل النقل والمواصلات بين أطراف السودان المترامية.
كما شجعت حكومات الاستعمار استقبال العمال المهاجرين من شتى الجنسيات والدول، خاصة من دول الجوار الأفريقي. وقد ساعدت ثقافة تقبل المواطنين للأجانب على استقبال تدفقات الهجرة العالمية بكل اريحية وتقدير للبشرية وحقوق الانسان.
ونتج عن هذه السياسات إعادة توزيع داخلي وتمازج قبلي للسكان مما دفع المستعمر بإصدار قانون المناطق المقفولة في عام 1922 وذلك بهدف عزل السكان في الجنوب ومناطق جبال النوبة وأجزاء من دارفور والنيل الأزرق عن بقية أنحاء البلاد. وقد كان الهدف من هذه السياسة تفتيت اللحمة الوطنية لإحكام السيطرة على الموارد الطبيعية، بالإضافة لمحاربة الهوية العربية والإسلامية. أيضاً شجعت هذه السياسة على منح زعماء القبائل والعشائر موارد مالية وسلطات إدارية وتنفيذية وذلك لتقوية الولاء القبلي وإضعاف الالتزام الوطني. وقد أجرى الاستعمار التعداد السكاني الاول في عام 1956 أوضحت نتائجه عدد 10.5 مليون نسمة، وهو تقريباً خمسة أضعاف سكان السودان في بداية القرن العشرين.
وبما ان وصمة الفراغ الديمغرافي عددية وليست نوعية، لم يهتم المستعمر كثيرا بالزيادة في معدلات الانجاب والتحسن الذي طرا في الصحة السكانية، خاصة صحة الامومة والطفولة، والتي شهدها السودان خلال فترة الاستعمار. وذلك لأنها تغييرات مرغوبة طالما انها تساهم في حل المشكلة العددية للسكان والتي صنعها الاستعمار بسبب سياسات استغلال الارض والموارد الطبيعية. كذلك لم يكن النمو السكاني قضية لحكومات الاستعمار، وكان يُنظر للزيادة في معدلات الانجاب كأثر ديمغرافي للتنمية الزراعية والاستقرار السكاني في القرى والحضر، علماً ان التكنولوجيا الحديثة للحد من النسل وبرامج تنظيم الاسرة لم يكن قد تم ادخالها في السودان عندئذ.
توضح هذه الدراسة ان قضية الفراغ الديمغرافي في السودان قضية نسبية تدور حول قلة عدد السكان نظير وفرة الثروات والموارد الطبيعية ولا اعتبار فيها لارتباطات الديمغرافية بالأرض وحقوق الانسان. وخلال فترة الاستعمار الانجليزي صارت هذه القضية واضحة بسبب سياسات استغلال الارض وزيادة عدد السكان عن طريق الهجرة، اضافة لسياسة الاراضي المقفولة والتي استهدفت تفرقة الكتل والمجموعات القبلية والسكانية.
والفراغ الديمغرافي وصمة مازال يعاني منها العالم الخارجي في نظرته الخاطئة للسودان. كما انها نظرة استعمارية نفعية؛ حيث يتعامل العالم الخارجي مع السودان كمصدر للموارد الطبيعية والثروات ويختزل الإحصاء السكاني في أرقام مجردة تتجاهل طبيعة حياة السكان وسعيهم للعيش وحقوقهم في الاراضي التي استوطنتها قبائلهم لقرون. كما انها تتجاهل حق السكان في التكاثر والانجاب والتي حتما تؤدي، مع التحسن في مستوى الدخل والعيش والصحة، الى النمو السكاني السريع، وهو موضوع الدارسة والتحليل في المقال القادم.
[1] Deng, Francis M. (1995). War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Rowman & Littlefield, p. 51. ISBN 978-0-8157-2369-1.
دكتور حسن موسى يوسف
يكتب من اديس ابابا اثيوبيا
9 سبتمبر 2026








