ريما عبد اللطيف الطاهر تكتب : حين تتحوّل الهوية إلى سلاح: العنصرية بوصفها الجذر الخفي للعنف

ريما عبد اللطيف الطاهر تكتب :
حين تتحوّل الهوية إلى سلاح: العنصرية بوصفها الجذر الخفي للعنف
جيلٌ من شعبٍ يستوعب كافة الفئات العمرية،
وصل مُنهكاً إلى قاع حربٍ أكثر بشاعةً من كل الحروب التي خاضها على مدار ستين عاماً.
حربٌ لم تبدأ بالرصاص،
بل بالفكرة.
العنصرية، وعدم تقبّل الآخر، والخوف من الاختلاف،
كانت دائماً الشرارة الأولى،
تسبق الخراب بخطوة،
وتمنح العنف مبرّره الأخلاقي قبل أن تمنحه أدواته.
السؤال لم يعد: كيف اندلعت الحروب؟
بل: كيف تَشَكّل الوعي الذي سمح لها أن تكون ممكنة؟
—
العنصرية لا تأتي فجّة،
بل في صورة همسٍ ناعم:
نحن الأصل،
نحن الأحق،
والآخر مجرّد هامش.
ومن هذا الهمس تولد التراتبية،
وتتحوّل الهوية من تعريف بالذات
إلى أداة فرز،
ومن مساحة انتماء
إلى جدارٍ غير مرئي
يقسم البشر إلى مراتب.
هنا يفقد العنف طابعه الاستثنائي،
ويغدو نتيجة منطقية لفكرة جرى تطبيعها،
حتى يصبح وجود الآخر ذاته
سؤالاً مقلقاً.
—
ثمة علاقة عضوية بين الهوية والعنف،
حين تُختزل الهوية في بعدٍ واحد،
ديني، أو عرقي، أو ثقافي،
وتُقدَّم بوصفها معيار التفوّق أو النجاة.
يشير أشيل مبيمبي إلى أن الآخر يُدرَك غالباً
بوصفه تهديداً وجودياً،
فيصبح إقصاؤه فعلاً دفاعياً مشروعاً.
بينما يؤكد أمارتيا سِن أن الإنسان
لا يملك هوية واحدة،
بل هويات متعددة،
قابلة للاختيار والتشكّل،
لا للاختزال أو الفرض.
لكن حين تتعرض الجماعات للتهديد أو الإقصاء،
تنكمش حول هوية صلبة،
وتحوّلها من ملاذ نفسي
إلى سلاح رمزي.
—
غالباً ما يُستدعى خطاب الهوية
لتبرير السلطة والانحياز والامتياز،
وتُشرعن عبره أنماط القهر،
حتى وإن لبست لباس العلم أو الثقافة.
ومن هنا نشأت مفاهيم التفوّق،
والنبالة،
والاستعمار،
وتكررت المأساة في تجارب تاريخية دامية،
من السودان إلى رواندا،
ومن البوسنة إلى ألمانيا النازية.
ولم يتوقف الصراع عند اختلاف الديانات،
بل تسلل إلى داخلها،
ثم تمدد ليخلق هويات صغرى متناحرة
داخل المجتمع الواحد.
—
إن المشكلة لا تكمن في وجود الهويات،
بل في تحويلها إلى أسوار.
وفي جعل الاختلاف ذريعة للهيمنة،
لا فرصة للتكامل.
ومن هنا،
لا يمكن الحديث عن تغيير الواقع
دون تفكيك العنصرية
بوصفها الجذر الأول للعنف.
فالتغيير الحقيقي
لا يبدأ من ميادين القتال،
بل من اللغة،
ومن وعيٍ يعترف بأن الإنسان
أوسع من هوية واحدة،
وأحق بالحياة
لمجرد كونه إنساناً.
عش فقط وتقبل انك من السودان تقبل أن هنالك من يختلف عنك من النيل الازرق ومن يختلف لونه عنك من دارفور ومن لا يتكلم لغتك في الشرق ومن يختلف فكرياً في الشمال تقبل الاختلاف ليس منقصه
#قلمي
٢٠٢٥/١٢/٢٣








