بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : لماذا انسحبت أمريكا من 66 منظمة دولية… ولم تنسحب من الأمم المتحدة ولا من المؤسسات المالية؟

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : لماذا انسحبت أمريكا من 66 منظمة دولية… ولم تنسحب من الأمم المتحدة ولا من المؤسسات المالية؟
عندما أعلنت الإدارة الأميركية، في 8 يناير 2026، انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة واتفاقية دولية، بدا القرار صادمًا في ظاهره، لا بسبب حجمه العددي فحسب، بل لما يحمله من دلالات سياسية عميقة. غير أن التدقيق في مضمون القرار، وفي قائمة المنظمات التي شملها وتلك التي استُثنيت بعناية، يكشف أن ما جرى لا يمثّل قطيعة مع النظام الدولي، ولا عودة إلى انعزال كلاسيكي، بل خطوة محسوبة في سياق إعادة تعريف علاقة واشنطن بالعالم.
فالمفارقة الأساسية لم تكن في المنظمات التي خرجت منها الولايات المتحدة، بل في تلك التي حرصت على البقاء داخلها: الأمم المتحدة، مجلس الأمن، صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. هذه المفارقة وحدها كافية لإعادة صياغة السؤال المركزي: هل أرادت واشنطن الانسحاب من النظام الدولي، أم إعادة ترتيبه على مقاس قوتها ومصالحها؟
هل تمضي أميركا نحو انسحاب انتقائي أم انعزال؟
السياسة الأميركية التي تجلّت في قرار 8 يناير 2026 لا تشبه الانعزال الذي عرفته الولايات المتحدة في فترات سابقة من تاريخها، حين آثرت الانكفاء وترك المسرح الدولي. على العكس، نحن أمام نموذج انخراط انتقائي، تنسحب فيه واشنطن من الأطر التي تُنتج التزامات معيارية أو أخلاقية أو بيئية تُقيِّد حريتها في اتخاذ القرار، من دون أن تمنحها قدرة موازية على التحكم أو التعطيل.
أما المؤسسات التي توفّر نفوذًا مباشرًا، أو أدوات ضغط فعّالة، أو قدرة على التأثير في قرارات الدول الأخرى، فقد بقيت خارج دائرة الانسحاب. وبذلك يصبح الانسحاب نفسه أداة من أدوات القوة: تحرّرٌ من القيود غير المرغوبة، لا تخليًا عن المسرح الدولي.
ترامب… عقيدة سياسية أم نزوة شخصية؟
لا يمكن فهم قرار الانسحاب الجماعي بوصفه ردّ فعل آنيًا أو نزوة شخصية لرئيس مثير للجدل، كما لا يمكن اختزاله في حسابات انتخابية قصيرة الأجل. فالتجربة الترامبية في السياسة الخارجية، منذ ولايته الأولى، تكشف نمطًا متماسكًا من التفكير يقوم على إعادة تعريف موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، لا الانسحاب منه.
ففي هذا التصور، لا تُدار العلاقات الدولية بمنطق القواعد المشتركة أو الالتزامات طويلة الأمد، بل بمنطق الصفقات والمكاسب المباشرة. المنظمات الدولية تُقيَّم بميزان الربح والخسارة، لا بميزان القيم أو الاستقرار العالمي. ومن هنا جاءت انسحابات سابقة من اتفاق باريس للمناخ، ومنظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان، وصولًا إلى قرار 2026 الذي شكّل الذروة المؤسسية لهذا النهج.
تصريح روبيو: لحظة الكشف الأيديولوجي
وفي هذا السياق، جاء تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ليمنح القرار لغته الأيديولوجية الصريحة. فقد وصف المنظمات المنسحب منها بأنها “معادية لأميركا، أو عديمة الجدوى، أو مهدِرة للموارد”، وربط الخطوة مباشرة بوعد انتخابي جوهري، مؤكدًا أن الهدف هو “وقف دعم البيروقراطيين العالميين الذين يعملون ضد مصالح الأميركيين”.
فهذه اللغة لا تعبّر عن تبرير إداري، بل تكشف عقيدة سياسية ترى في النظام الدولي ساحة صراع مع “بيروقراطيات عالمية”، لا فضاء تعاون. ومن هذا المنظور، تقيس الولايات المتحدة قيمة المنظمة بمدى خضوعها لإرادتها أو قابليتها للاستخدام كأداة نفوذ، لا بقدرتها على الإسهام في استقرار دولي مستقل عن موازين القوة.
السيادة في الفكر الأميركي: مبدأ يُستخدم عند الحاجة
وفي الفكر السياسي الأميركي، لم يتعامل المفكرون وصنّاع القرار مع السيادة بوصفها قيمة جامدة أو التزامًا قانونيًا ثابتًا. فمنذ التصورات المبكرة للفلسفة السياسية الحديثة، كما عند توماس هوبز، نلاحظ ربط السيادة بحماية الدولة وأمنها قبل أي اعتبار خارجي. وقد ترك هذا الفهم أثرًا عميقًا لاحقًا في التجربة الأميركية، حيث أبدت الولايات المتحدة حذرًا مستمرًا من أي ترتيبات دولية قد تُقيِّد استقلال القرار الوطني.
وفي التقليد الدستوري الأميركي، كما عبّر عنه جيمس ماديسون وآباء التأسيس، لم يُرفض التعاون الدولي من حيث المبدأ، لكنه ظل مشروطًا بألا يتحول إلى قيد دائم على حرية الدولة. ومع تطور العلاقات الدولية في القرن العشرين، كرّست المدرسة الواقعية هذا المنطق، معتبرة النظام العالمي ساحة صراع مصالح وقوى أكثر منه منظومة قواعد ملزمة للجميع.
وفق هذا التصور، تستدعي الولايات المتحدة السيادة عندما تهدد القواعد الدولية حرية حركتها، لكنها تُقلّص حضور هذا المفهوم عندما تضعف هذه القواعد أو عندما تستخدمها كأدوات نفوذ. وهكذا تتعامل الولايات المتحدة مع السيادة بوصفها أداة سياسية مرنة، تستخدمها عند الحاجة، وتُعطّلها عندما لا تخدم مصالحها.
مفاتيح السيطرة: منطق البقاء داخل المؤسسات المركزية
وكما لاحظت، عزيزي القارئ، لم تمسّ انسحابات 8 يناير 2026 المؤسسات التي تمثّل جوهر النفوذ الأميركي العالمي، لأن هذه المؤسسات ليست مجرد منصات رمزية، بل مفاتيح فعلية لإدارة النظام الدولي من الداخل. ويأتي في مقدمتها مجلس الأمن، حيث يظل حق النقض الأميركي أداة حاسمة تتيح لواشنطن تعطيل أي مسار لا يخدم مصالحها، أو إعادة توجيهه، أو على الأقل فرض كلفة سياسية وقانونية على خصومها.
وقد ظهر هذا المنطق بوضوح في ملفات عديدة، من العقوبات على إيران وروسيا، إلى إدارة الصراعات في الشرق الأوسط، حيث لم تكن الولايات المتحدة بحاجة إلى إجماع دولي بقدر حاجتها إلى منع تشكّل إجماع مضاد. فمجرد التلويح باستخدام الفيتو كان كافيًا في كثير من الأحيان لإفراغ قرارات دولية من مضمونها، أو لإبقاء ملفات حساسة معلّقة إلى أجل غير مسمى.
ومن هذا المنظور، يصبح الانسحاب من منظمات تفتقر إلى أدوات تأثير حقيقية خطوة منطقية في الحسابات الأميركية، لأنها لا تمنح نفوذًا يقابل كلفة الالتزام. أما البقاء داخل المؤسسات المركزية، التي تسمح بالتعطيل والفرض والتحكم في مسار القرار، فيُعد شرطًا لازمًا لاستمرار الهيمنة، لا عبئًا عليها. فالهيمنة لا تُمارَس من خارج النظام، بل من نقاط الارتكاز التي تُدار منها اللعبة.
المؤسسات المالية… أداة الترغيب والترهيب الأهدأ
وإلى جانب النفوذ السياسي والدبلوماسي، تحتفظ الولايات المتحدة بأداة لا تقل فاعلية ولا تقل تأثيرًا على سلوك الدول: المؤسسات المالية الدولية. فالتمسك الأميركي بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لا ينبع من اعتبارات تنموية بحتة، بل من إدراك استراتيجي عميق بأن هذه المؤسسات تمثل وسيلة ضغط ناعمة وخشنة في آن واحد، قادرة على إعادة توجيه سياسات الدول من دون ضجيج أو مواجهة مباشرة.
وقد برز هذا الدور بوضوح في أمريكا اللاتينية، حيث تحولت برامج صندوق النقد، منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى أداة لإعادة هندسة السياسات الاقتصادية في دول مثل الأرجنتين والبرازيل خلال أزمات الديون. ففي هذه الحالات، لم تكن القروض مجرد دعم مالي، بل جاءت محمّلة بحزم إصلاح شملت خفض الدعم، وتحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة القطاع العام، بما أعاد ربط هذه الاقتصادات بالنظام المالي العالمي وفق قواعد محددة. الدول التي التزمت بهذه المسارات حظيت بإشارات إيجابية للأسواق وتدفقات تمويلية، بينما واجهت الدول التي حاولت الخروج عنها عزلة وضغوطًا مالية خانقة.
وفي أفريقيا، اتخذ النفوذ المالي شكلًا أكثر هدوءًا، لكنه لم يكن أقل تأثيرًا. فقد ارتبطت برامج التمويل في دول مثل غانا وزامبيا وكينيا بشروط أعادت رسم أولويات الإنفاق العام، وضيّقت هامش القرار السيادي، خصوصًا في القطاعات الاجتماعية. وفي المقابل، واجهت دول سعت إلى اتباع مسارات اقتصادية أو سياسية مغايرة تشددًا في المشروطية، أو تأخيرًا في التمويل، أو صعوبة في الوصول إلى أسواق الدين، ما جعل كلفة “الخروج عن الخط” أعلى من كلفة الامتثال.
أما في السودان، فتظهر هذه الآلية بوضوح أشد، حيث تداخل النفوذ المالي مع التحولات السياسية بصورة مباشرة. فمنذ رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فُتح الباب نظريًا أمام العودة إلى النظام المالي الدولي، لكن عبر مسار مشروط ببرامج صندوق النقد والبنك الدولي. لم يكن هذا المسار تقنيًا محايدًا، بل ارتبط بإصلاحات قاسية شملت رفع الدعم وتحرير سعر الصرف، وهي خطوات حملت كلفة اجتماعية باهظة في بلد يعاني هشاشة بنيوية. ومع اندلاع الحرب وتفكك الدولة، تحوّل المال الدولي إلى أداة تعليق وانتظار: لا تمويل بلا استقرار سياسي معترف به، ولا دعم بلا مسار انتقالي منسجم مع الرؤية الغربية. وهكذا لم يُستخدم التمويل كأداة إنقاذ عاجلة، بقدر ما استُخدم كوسيلة ضغط غير مباشرة، تُكافئ مسارات سياسية معينة وتُقصي أخرى، تاركة المجتمع السوداني يدفع ثمن الفراغ المالي وتراجع الخدمات.
وتكمن خطورة هذه الأداة في أنها تعمل بصمت، وتُقدَّم غالبًا بوصفها قرارات تقنية أو توصيات مهنية، بينما هي في جوهرها قرارات سياسية بلبوس مالي. ولهذا، فإن أي انسحاب أميركي من هذه المؤسسات يظل خارج الحسابات الواقعية للسياسة الخارجية، لأنها تمثل أحد أهم مفاتيح إدارة النفوذ العالمي، وأقلها كلفة، وأكثرها استدامة.
أميركا والشرعية الدولية: تُستخدم عند اللزوم ولا تُقدَّس
ورغم الخطاب التصادمي الذي تتبناه واشنطن تجاه ما تصفه بـ“البيروقراطية الدولية”، تدرك الولايات المتحدة أن الشرعية الدولية تظل موردًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه. فالشرعية، في الحسابات الأميركية، ليست قيمة أخلاقية مطلقة بقدر ما هي أداة عملية تُستخدم لتقليل كلفة القرار السياسي، وتوسيع هامش المناورة، وتجنّب العزلة الدولية.
وقد تجلّى هذا المنطق بوضوح في حالات عدة. ففي حرب العراق عام 2003، ورغم عجز الولايات المتحدة عن الحصول على تفويض صريح من مجلس الأمن، لم تتخلَّ عن لغة الشرعية، بل أعادت توظيف قرارات سابقة، وشكّلت “تحالف الراغبين”، وقدّمت التدخل بوصفه استجابة لإرادة دولية معطّلة لا خروجًا عليها. وفي ليبيا عام 2011، حرصت واشنطن على العمل من داخل غطاء أممي تحت عنوان “حماية المدنيين”، حتى وإن تجاوزت العمليات العسكرية لاحقًا حدود التفويض.
وفي ملفات العقوبات، سعت الولايات المتحدة، كلما أمكن، إلى تمريرها عبر الأطر الأممية لأنها أكثر فاعلية وأقل كلفة سياسية، كما في بعض مراحل العقوبات على إيران وكوريا الشمالية. وحين تعذّر ذلك، لجأت إلى عقوبات أحادية أو تحالفات محدودة، لكنها حافظت دائمًا على تبرير قراراتها بلغة القانون الدولي، سواء عبر مفاهيم الدفاع عن النفس أو الردع أو منع انتشار أسلحة محظورة.
لهذا، فإن الخروج الكامل من منظومة الأمم المتحدة لا يُعد خيارًا واقعيًا في السياسة الأميركية، لأنه سيجرد واشنطن من غطاء شرعي بالغ الأهمية، ويترك فراغًا تسعى قوى منافسة إلى ملئه. فالشرعية الدولية، من المنظور الأميركي، لا تُقدَّس ولا تُهمَل، بل تُدار وتُستخدم عند اللزوم، وتُحيَّد حين تتحول إلى قيد على الحركة.
وخلاصة الأمر من وجهة نظري، فإن ما جرى في 8 يناير 2026 لا يمثّل انسحابًا أميركيًا من النظام الدولي، بل يعكس إعادة تموضع استراتيجية محسوبة داخل هذا النظام. فقد اختارت الولايات المتحدة الانسحاب من المنظمات التي تُقيِّد حركتها وتنتج معايير لا تتحكم في مخرجاتها، وفي المقابل تمسّكت بالبقاء داخل المؤسسات التي تمنحها نفوذًا فعليًا، وقوة مالية مؤثرة، وشرعية قابلة للتوظيف.
بهذا المعنى، ففي ظني اننا ربما لن نشهد نهاية النظام الدولي ولا تفككه، بل نرى انتقاله إلى مرحلة أكثر صراحة وأقل مواربة، حيث تدير الولايات المتحدة المؤسسات الدولية من الداخل وتتحكم في مساراتها. إنها ليست سياسة ترغيب وترهيب فحسب، بل سياسة هيمنة تمارسها واشنطن بوعي كامل، إذ تستخدم المال والشرعية والقوة السياسية لتوجيه السلوك الدولي، وتكافئ من يلتزم بخطها، وتفرض كلفة على من يعارضه. إنها، في جوهرها، سياسة هيمنة تعيد الولايات المتحدة إلى موقع إدارة النظام الدولي لا عبر الالتزام بقواعده، بل عبر التحكم في مؤسساته وتحديد سقوف الحركة داخله، لتؤكد عمليًا أن القوة—لا القواعد—ستظل العامل الحاسم في تشكيل النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.








