رأي

مصطفى نصرالدين تمبور… حين يتحوّل الألم إلى خطاب دولة

مصطفى نصرالدين تمبور… حين يتحوّل الألم إلى خطاب دولة

 

بقلم: الأستاذ موسى داؤد

كاتب ومحلل سياسي

 

في لحظات الانهيار الكبرى، لا يُقاس القادة بارتفاع نبرة الخطاب، بل بقدرتهم على تحويل الوجع إلى وعي، والفوضى إلى سردية دولة. هكذا جاء حديث والي ولاية وسط دارفور، مصطفى نصرالدين تمبور؛ لا بوصفه استجابة ظرفية لحدثٍ عابر، بل قراءة سياسية عميقة لطبيعة الصراع، حين تُوضع الدولة عارية أمام أخطر امتحانات بقائها.

لم يكن خطاب تمبور استعراضًا لخسائر الحرب، ولا تعدادًا إنشائيًا لخرابٍ بات مألوفًا في نشرات الأخبار، بل كان تفكيكًا واعيًا لبنية تدميرٍ ممنهج، استهدف الإنسان قبل الحجر، والوعي قبل الجغرافيا. فمنذ اندلاع الحرب، لم تقتصر اعتداءات مليشيا الدعم السريع على البنية التحتية والمؤسسات الرسمية، بل اتجهت، بوعيٍ كامل، إلى ضرب الرموز الجامعة: دور العبادة، المرافق الخدمية، والنسيج الاجتماعي ذاته، في محاولة لإفراغ الإقليم من معناه كجزء حيّ من الدولة.

في بورتسودان، حيث أُدليت هذه الإفادات، بدا الخطاب أشبه بـ شهادة دولة على احتلال غير معلن. احتلال لا يرفع رايات، لكنه يفرض منطقه عبر الخوف، والعزلة، وتفكيك الروابط الاجتماعية. هنا لا يغيب القانون فحسب، بل يُدفع المواطن قسرًا للعيش خارج مفهوم الدولة، داخل جغرافيا بلا حماية، وبلا أفق، وبلا ضمانات.

أرقام النزوح التي كشف عنها تمبور — أكثر من 750 ألف نازح — لا يمكن التعامل معها كأزمة إنسانية منفصلة عن سياقها السياسي. إنها مؤشر إستراتيجي بالغ الخطورة على اختلال ميزان السيادة، وانكشاف الدولة أمام فاعلٍ مسلح لا يعترف بالقانون ولا بالحدود الأخلاقية. نزوح بهذا الحجم لا يعكس فقط حجم المعاناة، بل ينذر بإعادة تشكيل الخريطة السكانية والاجتماعية لوسط دارفور، بما يحمله ذلك من مخاطر طويلة المدى على الاستقرار الوطني ووحدة النسيج المجتمعي.

غير أن جوهر خطاب تمبور لا يكمن في توصيف الدمار، بل في كشف طبيعة الحرب ذاتها. نحن، وفق هذا التشخيص، لا نواجه صراعًا عسكريًا تقليديًا، بل حرب تفكيك شامل: اقتصاد ظلّ يُدار من داخل المعسكرات، مخدرات تُستخدم كسلاح لتجفيف وعي الشباب، اغتصاب واختطاف يتحولان إلى أدوات ابتزاز وسيطرة، ومجتمع يُدفع عمدًا نحو التفكك الأخلاقي والنفسي. هذه ليست حرب مواقع أو حدود، بل حرب على الذاكرة الجمعية، وعلى المعنى، وعلى قدرة المجتمع على الصمود. وهنا تبلغ الأزمة ذروتها، حين تفقد الدولة احتكارها للمعنى، لا للسلاح فقط.

 

قراءة سياسية للمشهد

 

سياسيًا، يكشف خطاب تمبور عن وعيٍ متقدم بطبيعة الصراعات الحديثة، حيث لا يُقاس النصر بالسيطرة الميدانية وحدها، بل بقدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها، وضبط السلاح داخل إطارها الشرعي. إعلان جاهزية 481 مستنفرًا، وتدريب ألف عنصر شرطة للعمل جنبًا إلى جنب مع القوات النظامية ودعم المقاومة الشعبية، لا يعكس نزعة عسكرة للمجتمع، بقدر ما يمثل محاولة واعية لإعادة تعريف القوة باعتبارها أداة دولة، لا امتياز جماعة ولا سلطة فوضى.

في هذا السياق، يقدّم تمبور نموذجًا لخطابٍ يوازن بين الحسم والعقل، وبين الأمن والسياسة. فهو لا يتعامل مع السلاح كغاية، بل كضرورة مؤقتة داخل مشروع أوسع لاستعادة الدولة. معادلة واضحة تتجاوز الشعارات: لا أمن بلا دولة، ولا دولة بلا احتكار منضبط للقوة.

لكن الأهم في هذا الخطاب هو إدراكه أن المعركة لا تُحسم في الميدان وحده. فإصراره على إعادة تشغيل شرايين الحياة — من صحة وتعليم وبنية تحتية — والدفع بمشروعات استراتيجية كمطار الشهيد علي دينار الدولي بمدينة زالنجي، وربط الولاية بشبكة طرق قومية، يكشف عن رؤية سياسية تفهم أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى بالتنمية، وأن إعادة إعمار المكان شرطٌ جوهري لإعادة ترميم الإنسان.

 

خلاصة سياسية

 

ما يطرحه مصطفى نصرالدين تمبور ليس خطاب والي ولاية منكوبة فحسب، بل رؤية دولة تبحث عن نفسها وسط الركام. خطابٌ يرفض اختزال الحرب في بعدها العسكري، ويضعها في سياقها الحقيقي كصراع على الدولة، والهوية، والمستقبل.

إنها دعوة صريحة لبناء جبهة وطنية واعية، تُدرك أن مواجهة مشروع الفوضى لا تتم بالانفعال، بل بعقل سياسي، واستراتيجية طويلة النفس، تعيد لوسط دارفور — وللسودان بأسره — معنى السيادة، وهيبة الدولة، وإمكانية الغد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى