رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : وهم “السلام السريع” ونهاية التمرد في السودان

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : وهم “السلام السريع” ونهاية التمرد في السودان

 

 

حين نشرتُ مقالًا سابقًا عبّرتُ فيه عن تطلّع السودانيين المنهكين من الحرب إلى سلامٍ يضع حدًا للدمار عبر هزيمة مليشيا الدعم السريع، سرّني أن يحظى الطرح باستحسانٍ واسع، باستثناء قلة من المعترضين. فقد بادر أحد الأصدقاء إلى انتقاد المقدمة والعنوان، معتبرًا أن هذا النوع من الحروب لا يُحسم عسكريًا، وأن الحديث عن «الهزيمة» سابق لأوانه، بل وربما مضلل. واستدعى في اعتراضه تجارب الجنوب ودارفور، محذّرًا من أن التمسك بخطاب النصر قد يفضي إلى إطالة أمد الحرب وتكرار سيناريوهات التفكك، بينما اختصرت إحدى الزميلات الموقف بسؤال ساخر: «خلاص… هزمتوهم؟».

 

غير أن هذا السؤال، على بساطته، يفتح باباً للنقاش الحقيقي: فهل الحديث عن الهزيمة مجرد ترف لغوي في زمن الحرب، أم أنه مفتاح ضروري لفهم شروط السلام وحدوده؟

 

هذا الجدل يعيدنا إلى شعار «لا للحرب» الذي كثر ترديده في الآونة الأخيرة، ويرفعه ويدافع عنه بحماسٍ مفرط قلةٌ من الناس، بحسن نية لا تخلو من ضحالة سياسية عميقة، ظنًا منهم أن السلام سيأتي تلقائيًا إذا أعلنت الدولة وقف القتال وألقت السلاح. غير أن هذه الفكرة، على الرغم من جاذبيتها الأخلاقية، تصطدم مباشرة بواقع السياسة ومنطق الحروب، وبخبرة التاريخ، وبالتجربة السودانية ذاتها.

 

ولعل ما يُغفله دعاة «السلام السريع» أن الحكومة السودانية لم تُغلق باب التفاوض منذ الأيام الأولى للحرب. فمنذ مايو 2023 قبلت مبدأ التفاوض عبر منبر جدة، ووقّعت اتفاقات لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين، ثم تبعتها هدن متكررة خلال يونيو ويوليو 2023، شملت فتح المعابر وتسهيل انسياب المساعدات الإنسانية. غير أن هذه المبادرات لم تُقابل بالالتزام من جانب المليشيا المتمردة، التي سرعان ما انتهكت الاتفاقات، بينما استغلت الهدن – بدعم مباشر من حلفائها الإقليميين – لإعادة التموضع وإدخال السلاح والمرتزقة والإمداد اللوجستي. وبدل أن تقود الهدنة إلى خفض العنف، تحولت عمليًا إلى عاملٍ ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات إنهائها.

 

والتاريخ الحديث لا يقدم لنا مثالًا واحدًا لسلام مستقر تحقق لأن الطرف المعتدى عليه قرر وحده أن يتوقف عن القتال. على العكس، فإن أبرز حالات السلام جاءت بعد هزيمة واضحة للمعتدي. ففي الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ الحرب لأن ألمانيا النازية واليابان جلستا إلى طاولة تفاوض، بل لأنهما هُزمتا هزيمة ساحقة واستسلمتا استسلامًا غير مشروط. وفي الحرب الأهلية الأمريكية لم يُحلّ الصراع عبر تسوية وسطية، بل عبر هزيمة الكونفدرالية، وبعدها فقط توحدت الدولة واستقر السلام الداخلي. أما تحرير الكويت عام 1991 فلم يتحقق لأن العراق اقتنع بخطاب السلام، بل لأن العدوان كُسر عسكريًا واضطر المعتدي إلى الانسحاب. وفي البوسنة توقفت المجازر بعد كسر التفوق العسكري للمعتدي، وجاء الاتفاق ليدوّن واقعًا فُرض بالقوة. وحتى في حروب التحرر الوطني، كما في الجزائر، لم ينسحب الاستعمار لأنه اقتنع أخلاقيًا، بل لأنه هُزم واستُنزف، ثم جاء التفاوض لتنظيم الخروج لا لاستبدال الهزيمة.

 

هذه الأمثلة لا تمجّد الحرب، لكنها تدحض الوهم القائل إن السلام يمكن أن يولد بينما المعتدي ما زال يحتفظ بقدرته على القتل والإكراه.

 

وحين نعود إلى السودان، يبرز السؤال بحدّة لا تحتمل المراوغة: إذا أعلنت الدولة غدًا وقف الحرب وألقت السلاح، هل تتوقف مليشيا الدعم السريع عن القتال؟ وهل تكفّ القوى الإقليمية التي ترتهنها عن مدّها بالسلاح والمرتزقة؟

هذا سؤال سياسي وعملي، لا أخلاقي ولا افتراضي، وإجابته وحدها تكشف إن كان الحديث عن «السلام السريع» طرحًا واقعيًا أم وهمًا خطابيًا.

 

كل الوقائع، في تقديري، تشير إلى عكس ذلك. فمليشيا الدعم السريع لا تتصرف كطرف سياسي يسعى إلى تسوية، بل كقوة مسلحة تقوم بنيتها على اقتصاد الحرب، وتوسّع نفوذها بالقوة، وتستمد قدرتها على الاستمرار من شبكات دعم خارجية. وفي مثل هذا السياق، لا يُقرأ إلقاء السلاح بوصفه مبادرة سلام، بل بوصفه فراغًا في القوة يُغري بمزيد من التمدد والسيطرة.

 

وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية وعمقًا: هل يقبل الشعب السوداني، الذي تعرّض لأبشع أنواع الانتهاكات، بمصالحة مع مليشيا الدعم السريع تحت شعار «عفا الله عما سلف»؟ وهل يمكن تجاوز الدماء والدمار بلا مساءلة؟ ثم من يملك أن يشرح لأهالي الضحايا معنى السلام إذا لم تكن هناك محاسبة عادلة على الجرائم التي وقعت في الفاشر وزالنجي والجزيرة وغيرها من المدن والقرى؟

سلامٌ بلا عدالة ليس مصالحة، بل طمسٌ للجرائم وتأجيلٌ لانفجارٍ قادم، لأن المجتمعات لا تُشفى بالنسيان القسري، بل بالاعتراف، والمساءلة، وإنصاف الضحايا.

 

فالسودان، يا سيداتي وسادتي، قد جرّب من قبل اتفاقيات سلام لم تُحسم فيها مسألة السلاح والشرعية، وكانت النتيجة إعادة إنتاج الحرب بأشكال أشد عنفًا. المشكلة لم تكن في غياب الرغبة في السلام، بل في تجاهل شرطه الأساسي: من يحتكر العنف المشروع؟

 

ومن هذا المنطلق، فإن المعترض الذي يسأل: «هل هزمتوهم؟» اعتراضه مشروع، لكنه يخلط بين الوصف والشرط. فالحديث عن الهزيمة هنا ليس إعلانًا إعلاميًا، بل تحديد لمسار لا غنى عنه. فالهزيمة تعني كسر مشروع المليشيا، وتجفيف مصادر قوتها، ومنعها من فرض إرادتها بالسلاح. من دون ذلك، يصبح السلام مجرد أمنية.

 

وفي الختام، أقول إن السلام الذي ينشده السودان ليس سلام الشعارات ولا سلام البيانات، بل سلام ما بعد كسر العدوان؛ سلام يعيد للدولة احتكار السلاح، ويغلق أبواب التدخل الإقليمي، ويُنهي اقتصاد الحرب.

أما السلام الذي يُطلب من طرف واحد أن يستسلم له، بينما يحتفظ الطرف الآخر بالسلاح والدعم الخارجي، فليس سلامًا، بل وهم جميل لا يصمد أمام أول اختبار.

 

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا نوقف الحرب؟

بل: كيف نُنهيها دون أن نفتح الباب لحربٍ أسوأ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى