رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب: ياسكان الخرطوم: عودوا

آنساتي، سيداتي وسادتي القرّاء الأعزاء،
وصفتُ لكم في مقالي السابق بعض مشاهداتي عن الحالة الأمنية والمعيشية في الخرطوم، وذكرتُ أن المدينة، رغم ما خلّفته الحرب من دمار وجراح عميقة، بدأت تُظهر مؤشرات واضحة على تعافٍ تدريجي؛ يتمثّل في تحسّن ملحوظ في الوضع الأمني، وعودة الحركة إلى الشوارع والأسواق، وانتظام نسبي في الخدمات الأساسية، إلى جانب تحسّن الأوضاع المعيشية وعودة كثير من مظاهر الحياة اليومية، وإن ظلّ هذا التعافي جزئيًا ومحفوفًا بتحديات حقيقية تتطلّب معالجة جادة وطويلة الأمد.

وفي لحظة تختصر كثيرًا من الألم والأمل معًا، شكّل افتتاح مطار الخرطوم هذا الأسبوع، وهبوط أول رحلة للخطوط الجوية السودانية، حدثًا وطنيًا بالغ الدلالة؛ تجاوز كونه إجراءً فنيًا أو تشغيليًا، ليغدو إعلانًا عمليًا عن عودة الحياة إلى قلب العاصمة بعد فترة طويلة من التوقّف والشلل.

وبالأمس، رأيتُ عمّال الكهرباء معلّقين بين الأرض والسماء أمام مستشفى رويال كير، منهمكين في إيصال التيار إلى تلك النواحي من أحياء البراري. مشهد بسيط في ظاهره، عميق في معناه؛ سرعان ما تحوّل إلى لحظة فرح جماعي، حين وقف المارّة يصفّقون، وبعضهم يلوّح للعمّال بإشارات النصر من الركشات والبكاسي ونوافذ حافلات المواصلات، وكأن المدينة بأسرها تحتفي بعودة الضوء… وعودة الحياة.

غير أنّني استُفزِزت بمقالة اطّلعتُ عليها مؤخرًا، زعمت كاتبتها أن إحجام كثير من المواطنين عن العودة إلى الخرطوم لا يعكس خوفًا ولا ضعفًا في الانتماء، بل قرارًا عقلانيًا لحماية الحياة في ظل غياب الدولة كضامن للأمن والقانون، واستمرار الحرب سياسيًا رغم تغيّر حدّتها، وانتشار السلاح خارج السيطرة، بما يجعل العودة مجازفة لا واجبًا وطنيًا. كما رأت أن الخرطوم، في وضعها الراهن، لا توفّر شروط الحياة الكريمة بسبب انهيار الخدمات، وضيق سبل العيش، وتفكّك النسيج الاجتماعي، معتبرة الأطفال والنساء وكبار السن معيارًا حاسمًا في قرار العودة. وتخلص إلى أن استعادة المدينة لا تتم بالقوة أو الخطاب، بل بإغلاق الحرب سياسيًا وبناء دولة القانون والعدالة، وعندها فقط سيعود الناس من تلقاء أنفسهم.

ولا أخفي أنني لا أتفق مع هذا الطرح، ولا أدري على أي مصادر دقيقة استندت الكاتبة في استخلاص هذه النتائج. فالصورة التي قدّمتها تعميمية، ولا تعبّر بالضرورة عن واقع متنوّع ومعقّد، كما أنها تتجاهل شواهد ميدانية ملموسة تشير إلى تحسّن نسبي في الأوضاع الأمنية والمعيشية، وبدء عودة تدريجية للحياة في عدد من أحياء الخرطوم، وهو ما يستدعي نقاشًا أكثر توازنًا، يستند إلى معطيات موثّقة لا إلى انطباعات عامة.

ومن واقع تجربتي الشخصية، لا من تقارير تُبثّها جهات ذات مواقف سياسية لا تُخفي عدم رغبتها في عودة الاستقرار إلى البلاد، أقول لكم يا أهل الخرطوم، وخاصة سكان الأحياء التي يُقال عنها راقية، مثل المنشية والرياض والمعمورة وما جاورها، ويا أيها النازحون في بلاد الله الواسعة: إنكم اليوم تسكنون شققًا ضيّقة في أطراف المدن، بينما بيوتكم التي شقيتم في تشييدها في الخرطوم يسكنها من تعرفون ومن لا تعرفون؛ منهم الحراس الذين اتفقتم معهم على الحراسة، وأكثرهم ممّن سكنوا هذه البيوت لأنها كانت خالية.

وأنا أرى بعيني أن الساكنين بالوكالة في بيوتكم يعيشون آمنين مطمئنين؛ يلعب أطفالهم «الدافوري» في الشوارع عصرًا، ويذهبون صباحًا إلى المدارس ورياض الأطفال، حكومية كانت أم خاصة. يخرج رجالهم كل صباح يلتمسون ما يجود الله به من رزق، وتتزاور نساؤهم، ويتسامرن، ويطبخن، ويشعلن «حُفَر الدخان» في وضح النهار. يفعلون ذلك من غير تيار كهربائي ولا طاقة شمسية، ومع ذلك يواصلون حياتهم بصبر وهدوء، ويحوّلون القسوة اليومية إلى شكل من أشكال الصمود.

وفي يوم الجمعة الماضي، شهد الشارع الذي أسكن فيه ختان ثلاثة من الصبية من أبناء دولة جنوب السودان: مؤمن وربيع وحمودي. فرح الناس، على قلّة ذات اليد، وتشاركوا عصير الكركدي، وقدّمت أمّ الصبية صحون العصيدة بملاح التقلية والنعيمية وسلطة الدكوة والشعيرية، وصنعوا من تلك المناسبة البسيطة حدثًا اجتماعيًا كبيرًا، وكأنهم يقولون لمُلّاك تلك المنازل التي يسكنونها بالوكالة: لا تعودوا إلى الخرطوم، فقد طاب لنا المقام هنا ونحن قاعدون.

أليس هؤلاء سودانيين مثلكم؟ كيف استطاعوا أن يتأقلموا مع الظروف، وأن يتعايشوا مع البعوض والذباب، وحمّى الضنك والملاريا، والظلام وشحّ المياه، في صمت وصبر؟ ثم دعوني أسأل: من منكم، يا سكان هذه الأحياء الفاخرة، وُلد في الخرطوم؟ أليس معظمكم جاء من الأرياف أو من مدن لم تدخلها الكهرباء إلا بعد أن هبط نيل أرمسترونغ على سطح القمر في 21 يوليو 1969، ضمن مهمة أبولو 11؟ فما الذي تغيّر اليوم؟

عودوا إلى بيوتكم، يرحمكم الله؛ فعودتكم ليست مطالبة بحقٍّ شخصي فحسب، بل هي مسؤولية اجتماعية تُعيد للأحياء توازنها، وتحفظ للمدينة روحها. الخرطوم تعرفكم وتنتظر عودتكم. صدّقوني، إن السعادة التي ستشعرون بها في بيوتكم وبلدكم ستكون أضعاف ما تحسّون به وأنتم تعيشون في التيه والاغتراب.

هذه ليست دعوة عاطفية ولا خطابًا إنشائيًا، بل دعوة واقعية مبنية على المعايشة. الخرطوم اليوم ليست مدينة أشباح، بل مدينة تتعافى وتحتاج إلى أهلها: الأطباء، والمعلمين، والمهنيين، والطلاب، وأصحاب الحِرَف. فالعودة ليست مجرّد رجوع إلى بيت، بل عودة لإعادة بناء الحياة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى