رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :عاش كفاح الطبقة العاملة

يرتبط شعار «عاش كفاح الطبقة العاملة» في جذوره الأولى بالفكر الماركسي، الذي نظر إلى الطبقة العاملة بوصفها القوة المحرّكة للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي، وصاحبة المصلحة المباشرة في إنهاء الاستغلال وبناء مجتمع أكثر عدلاً وإنصافًا. غير أنّ هذا الشعار، مع مرور الزمن وتراكم التجارب الإنسانية، تجاوز حدوده النظرية والأيديولوجية الصارمة، ليغدو تعبيرًا إنسانيًا واسع الدلالة، يُرفع تقديرًا لكل من يكدحون في صمت، ويصنعون شروط الحياة اليومية بعرقهم وصبرهم، خصوصًا في لحظات الأزمات الكبرى التي تُختبر فيها معادن الشعوب، وتنكشف فيها قيمة العمل بوصفه فعل بقاء وكرامة قبل أن يكون موقعًا اجتماعيًا.

وفي السودان، منذ اندلاع الحرب وما أعقبها من انهيار واسع في مؤسسات الدولة، وتفكك في منظومات الخدمة، وتعطّل في كثير من أوجه الحياة العامة، برزت الطبقة العاملة في القطاع المدني بوصفها خط الدفاع الأول عن بقاء المجتمع. ففي زمن الخوف والنزوح القسري، حين غادر كثيرون مدنهم بحثًا عن الأمان، ظل آلاف العاملين في مواقعهم، أو عادوا إليها متى ما سنحت الفرصة، لا بدافع الامتياز أو المكسب، بل بدافع الإحساس العميق بالمسؤولية تجاه الناس والأحياء والمدن. ومع اتساع موجات النزوح، ثم بدء استعادة المدن وطرد المتمردين منها، انتقل هذا الدور من مجرد الصمود السلبي إلى الفعل الإيجابي المنظم، تمهيدًا لمرحلة إعادة التعمير وإحياء ما دمّرته الحرب، ولو بالحد الأدنى الممكن.

وكان العاملون في قطاع الكهرباء مثالًا حياً لهذا الكفاح اليومي، إذ أعادوا التيار إلى الأحياء والمؤسسات الحيوية وسط مخاطر جسيمة، وأصلحوا الأعطال، وشغّلوا الشبكات بما توفر من إمكانات محدودة، ليعود النور رمزًا ماديًا ومعنويًا لعودة الحياة، وإشارة واضحة إلى أن المدينة لم تُهزم بعد. وعلى ذات النهج، اضطلع العاملون في المياه والسباكة بمهمة لا تقل خطورة، حيث أعادوا تشغيل الآبار والشبكات، وأمّنوا المياه الصالحة للشرب، وحالوا دون تفشي الأوبئة في مدن أنهكها الخراب وشح الخدمات، فكان عملهم خط دفاع صحي خفي لكنه بالغ الأثر. وإلى جوارهم، واصل عمال النظافة عملهم الشاق في رفع الأنقاض والنفايات، محافظين على الحد الأدنى من الصحة العامة، ومؤكدين أن كرامة المدينة تبدأ من نظافتها، حتى في أكثر الظروف قسوة واختلالًا.

وفي فضاء آخر لا يقل حساسية، لعب العاملون في الطيران المدني والمطارات دورًا محوريًا في إعادة ربط السودان بالعالم الخارجي، عبر تشغيل المرافق، وتأمين الرحلات، وتنظيم العمل في ظروف استثنائية، بما أعاد شيئًا من الحركة والثقة والاتصال بعد عزلة طويلة. أما في القطاع الصحي، فقد جسّد الأطباء والكوادر المساعدة أنبل صور العطاء، إذ واصلوا العمل في المستشفيات والمراكز الصحية رغم نقص المعدات والأدوية والمخاطر الأمنية، فداووا الجراح، وأنقذوا الأرواح، وجعلوا من المهنة رسالة إنسانية حقيقية لا مجرد وظيفة، وسندًا أخلاقيًا للمجتمع في أحلك لحظاته.

ولم يكن التعليم بعيدًا عن هذا المشهد العام، فقد أصرّ المعلمون على مواصلة رسالتهم التربوية بوسائل مبتكرة، من الفصول المؤقتة إلى التعليم المجتمعي، محافظين على استمرارية العملية التعليمية، ومنعين انقطاع الأجيال عن المعرفة، ومدركين أن الحرب، مهما طالت، لا يجب أن تقطع الطريق أمام المستقبل. وفي الشوارع والطرق، حمل قطاع النقل والترحيل عبئًا مضاعفًا، حيث واصل سائقو الشاحنات والحافلات والركشات نقل الناس والبضائع، وربط المدن بالقرى، وضمان تدفق السلع الأساسية، بما حفظ دورة الحياة الاقتصادية في حدها الأدنى، ومنع انهيار الأسواق والمعاش اليومي.

وفي سياقٍ مكمّل لهذا الدور الحيوي، أدّى العاملون في قطاع الاتصالات دورًا بالغ الأهمية لا يقل أثرًا عن القطاعات الخدمية الأخرى، إذ حافظوا على استمرارية شبكات الاتصال رغم الاستهداف المتكرر، والأعطال، وشح الإمكانات. عملوا على إبقاء شبكات زين وسوداني وإم تي إن قيد الخدمة، ووفّروا الإنترنت باعتباره شريانًا حيويًا في زمن الحرب، مكّن النازحين والهاربين من ويلات القتال من التواصل مع ذويهم، والاطمئنان على الأحياء، وتنظيم شؤون الحياة اليومية، فغدا الاتصال جسرًا إنسانيًا خفّف من قسوة العزلة والتشتت، وحافظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي.

وعلى ذات القدر من الأهمية، برز دور العاملين في القطاع المصرفي، الذين حافظوا على الحد الأدنى من حركة المال في اقتصاد كاد أن يتجمد بالكامل. فمن خلال تشغيل أنظمة التحويلات الرقمية، مثل بنكك وأوكاش من بنك الخرطوم، وتطبيقات التحويل في بنك فيصل، أمّنوا سبل تداول الأموال، ويسّروا وصول تحويلات المغتربين إلى أسرهم المقطوعة داخل البلاد. ولولا هذا الجهد الصامت والدقيق، لتعطلت المعاملات، وتوقفت سلاسل الإعاشة، وفقد الاقتصاد قدرته على الحركة، ولو في حدوده الدنيا، في واحدة من أشد فتراته هشاشة.

وتشمل الطبقة العاملة التي نحيّيها اليوم البروليتاريا بمعناها الاجتماعي الواسع، أي كل من يعمل بيده أو جهده ليؤمّن قوته اليومي، سواء داخل الأطر الرسمية أو في فضاءات العمل الهامشي وغير المنظم. وبهذا الفهم، شكّل الباعة في أسواق المواد الغذائية والمطاعم، وبائعات الشاي والكسرة، وعمال المخابز، والحمالون، وأصحاب الدرداقات، إلى جانب المزارعين ومنتجي اللحوم والخُضار، طيفًا واسعًا من البروليتاريا الشعبية التي أدّت دورًا محوريًا في معركة البقاء اليومية؛ إذ وفّروا القوت، وثبّتوا وجودهم في الأسواق رغم المخاطر، وأسهموا في حماية الأمن الغذائي للمجتمع، مؤكدين أن العطاء لا يتوقف عند حدود المهن الرسمية، بل يشمل كل يد تعمل وكل جهد يُبذل بإخلاص.

ويظل هذا الكفاح ناقصًا إذا لم نخص بالذكر المرأة العاملة السودانية، التي وقفت جنبًا إلى جنب مع الرجل في مواقع الخدمة العامة، ثم عادت لتواصل رسالة الأمومة داخل البيت في أقسى الظروف. جمعت بين العمل والصبر، وابتكرت البدائل لتطعم أسرتها، فصنعت من القليل كثيرًا، ومن العدس وليمة، ومن الدكوة طعامًا شهياً، مثبتة أن الصمود لم يكن في الشوارع وحدها، بل في البيوت أيضًا، وأن كفاح الطبقة العاملة هو كفاح النساء والرجال معًا في معركة البقاء وإعادة الإعمار.

ولا يكتمل هذا المشهد دون التوقف عند كفاح العاملين في الوزارات والوحدات الاتحادية والولائية، حيث واصل موظفو الخدمة المدنية أداء واجبهم من مواقع بديلة بعد تدمير المقار والمؤسسات. أعادوا تنظيم العمل من مكاتب مؤقتة، وبيوت، وأماكن لجوء، وحافظوا على استمرارية الخدمات الأساسية للمواطنين بالحد الأدنى الممكن. أنجزوا المعاملات، ونسّقوا الخدمات، وأبقوا صلة الدولة بالمجتمع قائمة، مثبتين أن الدولة ليست جدرانًا وأثاثًا، بل عقولًا وأيديًا تعمل حتى في غياب الظروف الطبيعية.

إن كفاح الطبقة العاملة في السودان خلال سنوات الحرب ليس تفصيلًا عابرًا في سجل الأزمة، بل هو جوهر الصمود ومعناه الحقيقي. فهؤلاء، بكل تنوعهم وتواضع مواقعهم، هم من حافظوا على نبض المدن، ومنعوا انهيار الحياة اليومية، ومهّدوا الطريق لمرحلة إعادة الإعمار، ليس بالإسمنت وحده، بل بإحياء الثقة وروح التضامن. ومن هنا، فإن تحية «عاش كفاح الطبقة العاملة» ليست مجرد شعار، بل اعتراف مستحق بدور تاريخي، ودعوة صريحة لبناء دولة تُنصف العمل، وتحمي العامل، وتضع الكرامة الإنسانية في صدارة مشروع التعافي الوطني.
عاش كفاح الطبقة العاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى