موسى داؤد يكتب : الجموعية في قلب معركة الدولة.. كيف أعادت زيارة كباشي رسم الجغرافيا السياسية للحرب السودانية

في لحظةٍ تختلط فيها خرائط النار بخرائط الوعي، جاءت زيارة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إلى مناطق الجموعية والريف الجنوبي وصالحة والعيسوية بوصفها أكثر من جولة ميدانية؛ جاءت باعتبارها بيانَ دولةٍ مكتوباً على الأرض. فهذه الجغرافيا، التي طالما حسبها البعض هامشاً ريفياً، أثبتت أنها قلب نابض للسيادة، وعقدةً استراتيجية يتحدد عندها أمن أم درمان وجبل أولياء وخطوط الإمداد بين الوسط والغرب. هنا تُقاس الحروب لا بعدد الطلقات، بل بقدرة الدولة على إعادة الإمساك بالمجتمع والجغرافيا معاً.
كباشي، القائد الذي وقف مع رفاقه داخل القيادة العامة لحظة الحصار والخيانة التي دبّرها قائد مليشيات الدعم السريع الإرهابية حميدتي وشقيقه ضمن مشروع “الدقولة” الإجرامي المموَّل من دولة الشر الإمارات، لا يزور الأرض ليحصي الخنادق، بل ليعيد تعريف من يملكها ولماذا. في حضوره تتجسد الدولة كقيمة، وتنهض المؤسسة العسكرية كعمود أخلاقي وسيادي. لقد وجد مشروع المليشيا—القائم على اقتصاد السلاح والنهب وتفكيك المجال الوطني—أمامَه قوةً صلبة من قادةٍ أقسموا أن السودان ليس سلعة في مزاد إقليمي، ولا فراغاً تُملؤه عصابات عابرة للحدود.
حين يؤكد كباشي أن الحرب التي أشعلتها المليشيا هي حرب الشعب السوداني كله، فهو لا يرفع شعاراً، بل يُنجز تحويلاً مفاهيمياً في تعريف الصراع: من مواجهة عسكرية محدودة إلى صراع وجودي بين نموذج الدولة ونموذج المليشيا. بهذا التعريف تُسقط سردية التمرد التي ادّعت المظلومية والتمثيل المحلي، وتنكشف حقيقتها كأداة لتفكيك الدولة وإعادة تركيبها وفق منطق الفوضى المسلحة. إن إسناد الجموعية للقوات المسلحة لم يكن فعلاً تضامنياً فحسب، بل اندماجاً عضوياً بين المجتمع والدولة، حيث تحولت القرى والمشاريع الزراعية والطرق الريفية إلى شبكة سيادية: إنذار مبكر، وعمق دفاعي، ورافعة شرعية.
ولأن التاريخ لا يُكتب بالأعداد بل بالوظائف، فقد أدّت الجموعية وظيفةً تفوق وزنها الديمغرافي. كانت حائط صد اجتماعي عطّل اختراق المليشيا عبر التخويف والاختراق الأهلي، وحرمها عنصر المفاجأة، وأفشل محاولاتها لاستخدام القرى كنقاط عبور وإيواء. هنا لم يكن المجتمع متلقياً للحرب، بل فاعلاً فيها؛ يحوّل ذاته إلى منظومة حماية وطنية تُمسك بخيوط الجغرافيا قبل أن تمسك بالسلاح.
ربطُ كباشي بين “حرب الكرامة” وهدف تنظيف البلاد بالكامل ليس وعداً عملياتياً محدوداً، بل سقفٌ سياسي يمنع الحلول الجزئية التي تُعيد إنتاج الأزمة بصيغٍ أخرى. إنه إعلان عن تفكيك البنية السياسية والاقتصادية والنفسية للمليشيا، أي إنهاء نموذج السلطة خارج الدولة. وفي هذا السياق تكتسب زيارته للوافدين من كردفان ودارفور في صالحة معنىً بالغاً: كسر احتكار خطاب المظلومية الذي استثمرته المليشيا، وإعادة ربط النازحين بالدولة بوصفها الإطار الطبيعي للحماية والحقوق. هكذا تتحول المعركة إلى صراع شرعية وولاء وتمثيل، وتفقد المليشيا أهم أدواتها الدعائية.
إن الجموعية اليوم ليست خط تماس، بل خط معنى: من يملك المجتمع يملك الجغرافيا، ومن يملك الجغرافيا يملك مستقبل الدولة. وقد قدّم الفريق أول ركن شمس الدين كباشي—بشجاعته الميدانية وحكمته السياسية—درساً في القيادة الجامعة؛ قائدٌ يعرف أن الانتصار لا يُقاس بتقدم الكتائب وحده، بل بتماسك الأمة. هو بطل قومي لأن بطولته ليست في السلاح فقط، بل في ترميم الثقة بين الدولة وشعبها، وفي الوقوف مع الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ورفاقه حين حاولت الخيانة أن تُسقط قلب الدولة.
وفي الختام، نُحيّي القوات المسلحة السودانية وهي تحمل عبءَ التاريخ وتفتح كُوًى في جدار الظلام، ونُحيّي الشعب السوداني الذي صبر حتى صار صبره استراتيجية، وثباته قوة. من الجموعية إلى كل شبرٍ محرَّر، يتأكد أن السودان يستعيد أرضه بوعي مجتمعه قبل قوة سلاحه، ويؤسس لشرعيةٍ جديدةٍ قوامها التضحية والانتماء، لا الرعب والنهب.
الأستاذ/ موسى داؤد
كاتب ومحلل سياس








