الخرطوم تعود من تحت الرماد: حين يتحول الاستقرار إلى مشروع دولة

الخرطوم تعود من تحت الرماد: حين يتحول الاستقرار إلى مشروع دولة
الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي
في عالم الدول الخارجة من الحروب، لا يُقاس التعافي بمجرد بيانات رسمية أو وعود مكتوبة، بل بمدى قدرة الدولة على إعادة الناس إلى بيوتهم، والعمل إلى سوقه، والتعليم إلى قاعاته، والإنتاج إلى عجلة الاقتصاد. ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى ولاية الخرطوم لعشرة مشاريع إنتاجية ليس مجرد خبر إداري، بل إعلان سياسي عن تحول العاصمة من منطق الطوارئ والفوضى إلى منطق الدولة والبناء المؤسسي.
الخرطوم اليوم تعود بوصفها مركز ثقل الدولة السودانية، لا مجرد مدينة. فالعودة الطوعية للمواطنين تحمل رسالة واضحة: سلطة القانون أقوى من سلطة السلاح، والدولة استعادت قدرتها على حماية المجال العام. وهذه الرسالة هي الأصعب على مليشيات الفوضى وذراعها السياسي؛ فالمجتمع السوداني يختار الاستقرار بأقدامه قبل أي صناديق اقتراع، ويعلن رفضه لعالم الخراب الذي حاولت المليشيات فرضه.
اختيار مشروعات إنتاجية تستهدف أربعة ملايين مستفيد ليس مجرد سياسة تشغيلية، بل هندسة اجتماعية تهدف لإعادة ربط المواطن بالاقتصاد الوطني. فالعمل ليس دخلاً وحسب، بل أداة لإعادة بناء الانتماء الوطني، وكسر اقتصاد الحرب الذي غذّى المليشيات عبر البطالة واليأس. حين تُدرَّب الكوادر، ويُستوعب المهندسون، ويُعاد تشغيل الخريجون، تتحول الخرطوم من مدينة منكوبة إلى ورشة وطنية للإعمار.
تركيز الفريق إبراهيم جابر على الإدارة المتخصصة والشراكات الدولية يكشف عن فهم عميق لمعركة ما بعد الحرب: التحدي لم يعد عسكرياً فقط، بل تنموياً وتمويلياً ومؤسسياً. فالانتصار في الحرب يضيع إن لم يتحول إلى مشاريع وفرص وحياة طبيعية. ولذا، فإن ربط التعليم العالي بسوق العمل، وتشجيع عودة الأساتذة، وضبط الجودة الأكاديمية، ليست تفاصيل تعليمية عابرة، بل ركائز في بناء دولة ما بعد المليشيا.
أما سياسة بنك السودان في تمويل مصروفات الدراسة، فهي إعادة تعريف للعدالة الاجتماعية في لحظة إعادة البناء. الدولة لا تعيد إعمار الجدران فقط، بل ترمم الفرص المكسورة، وتعيد للمواطن شعور الانتماء والاستحقاق.
وفي البعد السياسي، تشكل هذه العودة الطوعية والمشاريع الإنتاجية صفعة استراتيجية لذراع المليشيا السياسي، الذي بنى خطاباته على انهيار الدولة واستحالة عودة الخرطوم. الواقع اليوم يكذّب هذا الخطاب: الجامعات تُفتح، المشاريع تُطلق، والناس يعودون. خطاب “الفراغ” يسقط، ومعه كل رهانات الوصاية الدولية على السودان.
اصطفاف الشعب خلف القوات المسلحة وحكومة الأمل المدنية لم يأتِ من فراغ، بل من إدراك عميق بأن هناك دولة تُبنى لا مليشيا تتغول. إنها لحظة وعي جمعي اختار فيها السودانيون الدولة على الفوضى، والمؤسسة على العصابة، والمستقبل على الخراب.
هكذا، لا تتعافى الخرطوم فقط، بل تُعاد صياغتها كمركز للشرعية الوطنية، حيث يتحول الاستقرار إلى مشروع دولة، لا مجرد هدنة مؤقتة في حرب مستمرة.








