رأي

د. محمد حسين كسلا يكتب: في الذكرى الأولى لرحيل السفير الهداف قاقارين .. الإنسان قبل النجم

د. محمد حسين كسلا يكتب: في الذكرى الأولى لرحيل السفير الهداف قاقارين .. الإنسان قبل النجم

 

مرّ عامٌ كامل على رحيل نجمٍ كبير، وسفيرٍ وهدافٍ خطير… وقبل كل ذلك إنسانٍ أحبه كل من عرفه لحسن خلقه وجميل تعامله مع الآخرين.

وكذلك أحببته أنا في الله.

تنوعت أشكال التعامل بيني وبينه تبعًا لتباين الظروف، وتمشيًا مع تلك الظروف، وأجد نفسي أعيد من وقتٍ لآخر بعض اللمحات من شريط ذكرياتنا معًا.

كنت لاعبًا شابًا حين انضممت إلى قائمة فريق الهلال، وحين التقيته عصر ذلك اليوم، يوم تمريني الأول مع الهلال، رحّب بي ترحيبًا حارًا، وحيّاني كأنه كان يعرفني من قبل، بينما كنت أنا وجِلًا خائفًا، تملؤني رهبة ما أحاط بي من نجوم كنت أشاهد صورهم في الصحف وأقرأ عنهم من حينٍ لآخر.

وبعد عدة أسابيع أكرمتني الأقدار أيضًا بأن جمعتني به حين تم اختياري للفريق القومي المشارك في منافسات دورة الجلاء الثانية بليبيا. كنت أجلس في الطائرة في المقعد المجاور له، وهناك أتيحت لي أول فرصة حقيقية لأتعرف على بعض خصائص شخصيته؛ إنسانًا متواضعًا يحب البساطة ويميل إلى اللين واللطف في التعامل مع الآخرين.

ظروف تواجدنا في ليبيا أتاحت لي مزيدًا من الوقت لتوطيد المعرفة، والكل يعرف أهمية الرفيق الصالح في السفر.

بعدها التقينا كثيرًا داخل الملاعب وخارجها، سواء في أداء مباريات لفريق الهلال أو للفريق القومي السوداني، أو في مناسبات أخرى غير رسمية.

لكن أهم المناسبات التي جمعتنا – في نظري – كانت طقوس ومهرجانات تكريمي التي أُقيمت في مدينة كسلا، وتكررت عدة مرات، ومن قبل جهات مختلفة، سواء أندية رياضية أو روابط مشجعين أو غيرها.

وما يجدر بي ذكره هنا أن الكابتن علي كان يطرق بابي فجأة وأنا في المنزل، وبدون سابق إخطار، لأجده أمامي في يوم المناسبة!

هل تصدق أنه كان يحضر من الخرطوم خصيصًا للمشاركة في مناسبة يتم فيها تكريمي أنا بمدينة كسلا؟

تصوّر ما يمكن أن يعتري الإنسان من شعور في تلك اللحظات… كنت لا أتمالك نفسي وأنا أحتضنه بحرارة؛ فقد كانت الدموع تغلبني، وتتحداني، معبّرة عن تأثري البالغ بما يقوم به من مفاجآت تفرح قلبي.

نعم، كان هو دائمًا ذلك الشخص المليء بالإنسانية، العامر باللطف ودماثة الخلق، الحريص على إسعاد الآخرين.

أما داخل الملعب، فقد كانت بيننا قصص وحكاوى تنتهي – في كثيرٍ من الأحيان – بأهدافٍ تسعد المشاهدين. كنت أعرف كيف وأين أمرر له الكرة المريحة التي تمكنه من التسجيل، مقدّرًا سرعته، ومتفهمًا لطريقة تفكيره وذكائه في اختيار المواقع التي تشكل خطورة على الخصم. ولأنه كان بارعًا جدًا في إنهاء الهجمات، ظنّ البعض أنه يعتمد على الحظ في التسجيل، بينما كانت قناعتي غير ذلك.

فلا يمكن تسجيل هذا الكم الهائل من الأهداف عن طريق الحظ وحده. لقد كان في الواقع موهوبًا موهبةً فطرية نادرة، وهي توقّع واختيار موقع انتظار الكرة؛ الموقع الصحيح الذي لا يراه الآخرون. وهذه الهبة الربانية لا توجد إلا لدى قلة من كبار نجوم العالم، مثل الألماني جيرد مولر والإيطالي باولو روسي.

شاءت الأقدار أن نلتقي أيضًا بعد اعتزالنا لكرة القدم، وبقيت بيننا المحبة والمودة والتقدير والعلاقات الأسرية الطيبة. وأبان تواجدي بالإمارات زارني عدة مرات، كما قمت بزيارته بالسودان أثناء تواجدي هناك بمناسبة تدشين كتابي «محطات في حياتي»، ولأهديه نسخة منه.

وفي آخر زيارة له للإمارات كنت حاضرًا التكريم الذي أُقيم له وللكابتن الجيلي عبد الخير، لاعب المريخ السابق، بالشارقة.

نسأل الله الرحمة والمغفرة للحبيب الغالي، سعادة الدكتور السفير والكابتن الكبير علي قاقارين، وأن يتقبله قبولًا حسنًا، ويسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، ويجعل البركة في ذريته.

إلى جنات الخلد يا قاقا، حبيب الملايين.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

دبي

12 فبراير 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى