عنتبي… حين ينهض السودان من رماد الحرب ويكتب اسمه في دفاتر القارة

عنتبي… حين ينهض السودان من رماد الحرب ويكتب اسمه في دفاتر القارة
الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي
في لحظةٍ إقليميةٍ بالغة التعقيد تلاقى مساران في مدينة عنتبي مسار الدبلوماسية ومسار المعركة حين جلس نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار إير إلى طاولة الرئيس اليوغندي يوري موسيفيني لم يكن يحمل ملفاً سياسياً عادياً بل كان يحمل ذاكرة وطنٍ يُختطف بالنار ويقاوم بالعقل في آنٍ واحد فهذه الزيارة لم تكن مجرّد محطة خارجية في جدول مسؤول حكومي بل كانت فعلاً استراتيجياً في حربٍ باتت تُدار بقدر ما تُدار في الخنادق بقدر ما تُدار في العواصم لقد أدرك عقار أن السودان في هذه اللحظة لا يحتاج فقط إلى رصاص يحمي الأرض بل إلى سياسة تحمي المعنى وإلى شرعية تحاصر الفوضى وتُعيد تعريف الصراع بوصفه معركة دولة ضد مشروع مليشيا عابرة للحدود ومن هنا جاء لقاؤه بموسيفيني في قلب شرق أفريقيا حيث تُصاغ توازنات الإقليم ليعيد السودان إلى خريطة الفعل لا إلى هامش التدويل الصامت وعندما طرح مسألة استعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي عبر مجلس السلم والأمن الأفريقي كان في الواقع يطالب بإعادة السودان إلى منصة الشرعية القارية لأن الدولة التي تُقصى من هذا الفضاء تصبح ساحة تُدار لا طرفاً يُستشار ولذلك فإن وعد موسيفيني بالتحرّك لم يكن إجراءً إدارياً بل اعترافاً بأن أمن السودان جزء من أمن أفريقيا وأن تركه خارج المعادلة يعني فتح الباب لفوضى لا تقف عند حدوده وحين طالب عقار بتوظيف العلاقات الإقليمية للضغط على الجهات الداعمة للمليشيا فقد أصاب جوهر الحرب لأن هذه ليست حرب بنادق فقط بل حرب شبكات تمويل وتسليح ورعاة ظل وأن كسر هذه الدائرة هو المدخل الحقيقي لإنهاء النزاع لا إدارته أما توجيه موسيفيني جهاز مخابراته للتنسيق مع السفارة السودانية لاستعادة السيارات المنهوبة فلم يكن تفصيلاً فنياً بل رسالة سياسية بأن أوغندا تريد أن تكون جزءاً من إعادة الاعتبار لسيادة الدولة السودانية حتى في أصغر تفاصيلها وفي خلفية كل هذا المشهد يقف خيار عقار الأخلاقي والسياسي الذي اتخذه في الخامس عشر من أبريل حين قرر محمد حمدان دقلو أن يختطف السودان بقوة السلاح فاختار هو أن ينحاز إلى الدولة لا إلى المليشيا إلى الشرعية لا إلى الفوضى إلى المستقبل لا إلى اقتصاد الحرب ومنذ ذلك اليوم لم يكن دوره مجرد موقف بل مساراً متكاملاً يربط الميدان بالدبلوماسية والرصاصة بالشرعية والمعركة الوطنية بالإقليمية فهو رجل يدرك أن من يكسب الأرض دون أن يكسب الاعتراف يخسر المعركة في زمن لاحق وأن من يهزم المليشيا دون أن يحصّن الدولة يترك الباب مفتوحاً لنسخة أخرى من الفوضى ولذلك ظل يتحرك بعقل استراتيجي يرى السودان لا كجبهة قتال فقط بل كعقدة توازن في شرق أفريقيا وكركيزة استقرار إذا انهارت اهتز الإقليم بأسره ومن هنا جاءت زيارته ليوغندا لا كطلب دعم عاطفي بل كعرض سياسي متماسك يشرح للعالم أن ما يجري في السودان ليس صراع سلطة بل صراع بين دولة تريد أن تبقى ومليشيا تريد أن تحل محلها وأن دعم الخرطوم هو في جوهره دفاع عن النظام الإقليمي نفسه وفي الوقت الذي كان فيه كثيرون يراهنون على إنهاك الدولة راهن عقار على استعادتها بالسياسة بقدر ما تُستعاد بالسلاح فخطابه لم يكن تحريضياً بل تأسيسياً يعيد تعريف الكرامة بوصفها حماية الإنسان والمؤسسة والسيادة معاً وهو في ذلك يجسد نموذج السياسي الذي لا يتعامل مع الحرب بوصفها نشوة انتصار بل مسؤولية تاريخ لأنه يعرف أن ما بعد الحرب أخطر من الحرب نفسها وأن بناء الدولة أصعب من هدم المليشيا وهكذا التقت عنتبي بحرب الكرامة في لحظة واحدة لتقول إن السودان لم يعد يقاتل وحده في الخنادق بل يخاطب العالم من موقع الفاعل لا الضحية ومن موقع من يعرف أن السياسة حين تُدار بحكمة يمكن أن تكون سلاحاً أنظف وأبقى من المدفع.








