رأي

جِنِيفُ… حِينَ تَتَكَلَّمُ السِّيادَةُ بِلُغَةِ الْجِرَاحِ وَالْقَانُونِ

جِنِيفُ… حِينَ تَتَكَلَّمُ السِّيادَةُ بِلُغَةِ الْجِرَاحِ وَالْقَانُونِ

 

الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي

 

في القاعات الباردة حيث تُوزن الكلمات بميزان الدبلوماسية، وتُغلَّف المآسي بعباراتٍ محسوبة، ارتفع صوت السودان في رحاب مجلس حقوق الإنسان في جنيف، لا كصدىً عابرٍ في مؤتمرٍ دولي، بل كصوت وطنٍ ينزف ويحاجج، ويتألم ويُدافع، ويكتب روايته بمداد القانون لا بحبر الانفعال.

هناك، لم يكن المشهد مجرد جلسةٍ تفاعلية بشأن تقرير صادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان، بل كان لحظةَ اختبارٍ أخلاقي: كيف تتكلم الدولة عن جراحها دون أن تفقد وقارها؟ وكيف تُدين الفوضى دون أن تنزلق إلى خطاب الغضب؟

جاء الخطاب محمولاً على توازنٍ دقيق بين الاعتراف والرفض، بين الانفتاح والتحفّظ. رَحَّب بزيارة المفوض السامي بعد المجازر المروعة في الفاشر، وأقرّ بأهمية التوثيق والرصد، لكنه في الوقت ذاته رسم خطاً فاصلاً بين دولةٍ تُقاتل دفاعاً عن بقائها الدستوري، وبين مليشيا جعلت من الفوضى مشروعاً، ومن المدنيين ساحةً مفتوحةً للانتهاك.

لم يكن التفريق هنا تفصيلاً سياسياً، بل جوهر القضية. فالمعركة، في حقيقتها، ليست فقط على الأرض، بل على المعنى: من هو صاحب الشرعية؟ من يتكئ على نص الدستور، ومن يتكئ على فوهة البندقية؟ من يُسأل أمام القضاء بوصفه مؤسسةً مسؤولة، ومن يُلاحق بوصفه تمرداً مسلحاً خارج منطق الدولة؟

بهذا المعنى، تحوّل الخطاب إلى دفاعٍ عن مفهوم الدولة ذاته. فالمساواة بين الدولة والمليشيا ليست حياداً كما يُتوهَّم، بل خلطٌ مريب بين الواجب والتمرد، بين حماية النظام العام وتقويضه. إنها مساواةٌ تُربك العدالة قبل أن تُنصف الضحايا.

ثم مضى الخطاب إلى أرضٍ أكثر صلابة: أرض الأرقام والإجراءات. عرضٌ لعمل اللجنة الوطنية للتحقيق، إحصاءاتٌ عن الضحايا، دعاوى قُيّدت، وأخرى فُصل فيها، وملفاتٌ فُتحت حتى بحق منسوبي القوات النظامية. لم تكن هذه المعطيات محاولةً لتجميل المشهد، بل رسالة مفادها أن العدالة الوطنية ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل مسارٌ قانونيٌّ قائم، وأن السيادة لا تعني الإفلات من المساءلة، بل تعني أن تُمارَس المساءلة من داخل مؤسسات الدولة لا من فوقها.

وفي لحظةٍ تلامس القلب، انتقل الخطاب إلى وجوه المهجرين، إلى النساء اللواتي حملن الخوف في أعينهن قبل أن يحملن أطفالهن، إلى معسكرات النزوح حيث يتحول الانتظار إلى قدرٍ يومي. هناك، لم يعد القانون مادةً جامدة، بل محاولةً لرتق نسيجٍ اجتماعيٍّ تمزق. صار التحقيق وعداً أخلاقياً بأن الألم لن يُختزل في رقم، وأن الجريمة لن تُدفن في صمت.

وعندما طُرحت مسألة توسيع حظر السلاح، بدا أن السودان لا يواجه فقط تحدياً داخلياً، بل شبكةً من التعقيدات الدولية. تساءل الخطاب عن جدوى توسيع الحظر في ظل خروقاتٍ قائمة، وعن موقف الأمم المتحدة من تدفق السلاح إلى دارفور. كما جاء الرد على ممثل الإمارات العربية المتحدة حازماً: إن الدعم الإنساني لا يُبرئ من مسؤوليةٍ إن ثبت تورط، وإن المساعدات لا تُعفي من مساءلةٍ إن اقترنت بتغذية الصراع.

كان ذلك انتقالاً من خطابٍ دفاعي إلى خطابٍ مساءلةٍ معكوسة؛ من موقع المتلقي للتقارير إلى موقع السائل عن المعايير، ومن موقع الدولة التي تُنتقد إلى موقع الدولة التي تسأل: أين يقف ميزان العدالة حين تتشابك المصالح؟

ومع كل ذلك، لم يُغلق السودان بابه. أكد استعداده للتعاون مع آليات المجلس، ومع المكتب القطري للمفوضية، ومع الخبير المعني، لكن ضمن معادلة واضحة: تعاونٌ لا ينتقص من السيادة، وشراكةٌ لا تتجاوز المؤسسات الوطنية.

في المحصلة، لم يكن المشهد في جنيف خطاباً عابراً في سجل المؤتمرات، بل لحظةَ مواجهةٍ بين روايتين: رواية دولةٍ تُحاول أن تُعيد تعريف نفسها وسط العاصفة، ورواية خصومٍ يسعون إلى شرعنة الفوضى بعباراتٍ حقوقية. وبينهما يقف المجتمع الدولي، تتجاذبه المبادئ حيناً والمصالح حيناً آخر.

يبقى السودان، بكل جراحه، واقفاً على حافة معادلةٍ صعبة: كيف يجمع بين السيادة والمساءلة؟ بين الدفاع عن النفس والاعتراف بالألم؟ بين صرامة الدولة ودموع الضحايا؟

إنها معادلةٌ لا تُختصر في بيان، ولا تُحسم في جلسة، لكنها تبدأ بكلمةٍ تُقال بثبات: أن الوطن ليس ساحةً مفتوحةً للتجريب السياسي، ولا مادةً خاماً للسرديات المتصارعة، بل كيانٌ حيٌّ يستحق أن يُفهم بإنصاف، وأن يُوزن بميزانٍ واحد، لا بمكيالين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى