دكتور حسن موسى يوسف : الديموغرافيةُ وسيادةُ الدولةِ في السودانِ

دكتور حسن موسى يوسف : الديموغرافيةُ وسيادةُ الدولةِ في السودانِ
حُظِيَتِ الديموغرافيةُ باهتمام بَحثي مُقدّرٍ عالمياً، بيدَ أنَّها في الحالةِ السودانيةِ استُحضرَت عَرَضاً كأحدِ أهدافِ الحربِ الدائرةِ منذُ أبريل 2023م، دونَ اعتبارٍ كافٍ لدورِها الجوهريِّ في صِيانةِ سيادةِ الدولةِ ورسمِ ملامحِ مستقبلِها. ولا يقتصرُ مَكمَنُ الأهميةِ في الديموغرافيةِ على الارتباطاتِ الفنيةِ والتقنيةِ المؤثرةِ في مَساراتِ التنميةِ وحفظِ السِّلْمِ فحسب، بل يمتدُ ليشملَ تعزيزَ رفاهيةِ الإنسان، وتشكيلَ المواقفِ الجيوسياسيةِ للمجتمعاتِ والكياناتِ السياسيةِ ضمنَ خارطةِ التنافسِ الدوليِّ على الموارد، ولا سيّما الثرواتِ الطبيعيةِ والمعدنيةِ والبشرية.
ويُمثّلُ هذانِ الجانبانِ؛ الفنيُّ الديناميكيُّ والجيوسياسيُّ المتغيرُ، وجهينِ متلازمينِ لثنائيةِ “الأرضِ والإنسان” التي كانت مِحورَ التركيزِ في الطرحِ السابق. واستكمالاً لذلك، ينصبُّ الاهتمامُ هنا على الرابطِ الوثيقِ بين هذهِ الثنائيةِ وسيادةِ الدولةِ في السودان، وما يترتبُ على ذلك من تساؤلاتٍ مِحوريةٍ حولَ تأثيراتِ الديموغرافيةِ في مُقوّماتِ السيادةِ الوطنية.
الأرضُ والإنسانُ: ركائزُ السيادةِ وصناعةُ الدولة
تتمثلُ السيادةُ في قدرةِ الدولةِ على ممارسةِ سُلطتِها المُطلقةِ فوقَ أراضيها، واستقلالِ قرارِها في مُحيطِها الإقليميِّ والدولي. وليست هذهِ السيادةُ مُجرّدَ شعارٍ يُرفع، بل هي نتاجُ واقعٍ عملي وبشري متجذرٍ في التاريخِ والثقافة. وتُعدُّ العلاقةُ التفاعليةُ بينَ الأرضِ والإنسانِ حجرَ الزاويةِ في مفهومِ “سيادةِ الدولة”؛ فالدولةُ في العلومِ السياسيةِ لا تُقاسُ بحدودٍ جغرافيةٍ صَمّاء، بل هي كيانٌ سياسيٌّ نابضٌ يتنفسُ عبرَ التفاعلِ المستمرِّ بينَ المسرحِ الماديِّ (الأرض) والكتلةِ البشريةِ التي تستوطنُه (الإنسان).
لقد شَكّلَ السودانُ عبرَ القرونِ مَسرحاً لتفاعلِ الأرضِ والإنسان، وانعكسَ ذلكَ بجلاءٍ في التراثِ الثقافيِّ والاجتماعي، وفي الآثارِ التي لا تزالُ شاهدةً على هذا التفاعلِ في الحاضرِ والمستقبل. كما أنَّ أرضَ السودانِ مَثَّلَت “وعاءً” احتضنَ البشرَ بمختلفِ ثقافاتِهم ومكوناتِهم القَبَليةِ والعرقية، ووفّرَ لهم مُقوّماتِ العيشِ والبقاء، وقد تجلّى دورُها المحوريُّ في سيادةِ الدولةِ من خلال:
1. المواردُ الطبيعية: يُعدُّ السودانُ من الدولِ التي تكتنزُ أرضُها ثرواتٍ مَعدنيةً ومصادرَ طاقةٍ وفيرة، مما يمنحُ الدولةَ مُقوّماتٍ تُمكّنُها من بناءِ شراكاتٍ استراتيجيةٍ مثمرة، وامتلاكِ “أوراقِ ضغطٍ” جيوسياسيةٍ تحميها من الأطماعِ الخارجية.
2. الموقعُ الجيوسياسي: يفرضُ السودانُ سيادتَه من خلالِ تحكُّمِه في جُزءٍ حيويٍّ من مَجرى النيلِ ومصادرِ المياهِ العذبة، بالإضافةِ إلى إطلالتِه الاستراتيجيةِ على البحرِ الأحمر؛ مما يجعلُ سيادةَ الدولةِ رقماً صَعباً في المعادلاتِ الجيوسياسيةِ الإقليميةِ والدولية، خاصةً وأنَّ السهولَ والمناطقَ الجبليةَ المتناثرةَ تُوفّرُ حمايةً طبيعيةً تُعززُ من قدرةِ الدولةِ على الدفاعِ عن أمنِها القومي.
وإذا كانت الأرضُ تُمثّلُ الحيزَ الماديَّ في السودانِ -كما هو الحالُ في معظمِ البلدانِ- فإنَّ الإنسانَ السودانيَّ هو الرُّوحُ والعقلُ المفكّرُ والمدبّرُ لهذهِ السيادةِ وصونها؛ إذ لا تكتملُ السيادةُ إلا بوجودِ الشعبِ السودانيِّ بمختلفِ مكوناتِه القبليةِ والإثنيةِ وغيرها، وهو الذي يمنحُ الشرعيةَ للمؤسساتِ السياديةِ والقواتِ المسلحة. ويتجلى دورُ الإنسانِ السودانيِّ في:
1. القوى البشرية (الديموغرافية): إنَّ العددَ السكانيَّ ليس مجردَ أرقامٍ صمّاء، بل هو كتلةٌ حيويةٌ من الشبابِ المتطلعِ للمستقبل، وقوةٌ عاملةٌ تدعمُ الإنتاج، وطاقةٌ مجتمعيةٌ تُعززُ التكافل والإنتاج، وقدرةٌ عسكريةٌ للدفاعِ عن الوطن، وسوقٌ استهلاكيٌّ يرفدُ الاقتصادَ الوطني.
2. الوعيُ والانتماء: إنَّ الشعورَ بالهويةِ الوطنيةِ هو الدافعُ الأسمى للأفرادِ في السودانِ للتضحيةِ في سبيلِ حمايةِ الدولة؛ فالدولةُ التي يلتفُّ شعبُها حولَ سيادتِها تظلُّ “منيعةً” في وجهِ التدخلاتِ الخارجية.
3. الابتكارُ والتقنية: في العصرِ الحديث، لم تعد السيادةُ ترتكزُ على القوةِ البدنيةِ فحسب، بل على العقولِ التي تُديرُ التكنولوجيا وتُنتجُ اقتصاداً معرفياً يُقللُ من فجوةِ الاعتمادِ على الخارج.
التفاعلُ بين الأرضِ والإنسان
تتفاعلُ مقوماتُ السيادةِ بدرجاتٍ متفاوتة لترسمَ ملامحَ الكيانِ السياسي والسكاني عبرَ الزمانِ والمكان. وتتحددُ درجةُ التفاعلِ بين الأرضِ والإنسانِ بمدى تقدمِ وقوةِ السيادةِ والقدرةِ على استدامتها. وتظهرُ ذروةُ هذا التفاعلِ عندما تلتقي قدراتُ الإنسانِ بثروةِ الأرض؛ فيفلحُ الأرضَ ويستصلحُها ويعمّرُها، ويستخرجُ ثرواتِها ومصادرَ كنزِها، ويضعُ الخططَ لإدارتِها وحوكمتِها وحمايتِها من التدهورِ البيئيِّ والأطماعِ الخارجية.
وحينما ينجحُ الإنسانُ في استغلالِ الأراضي الخصبةِ لإنتاجِ الغذاء، فهو بذلك يبني قدراتِ الدولةِ ويحمي سيادتَها من الابتزازِ السياسيِّ المرتبطِ بالعونِ الإنسانيِّ أو المتاجرةِ في لقمةِ العيش. وعندما يُحسنُ الإنسانُ إدارةَ الأرضِ ويحققُ العدالةَ في توزيعِ مواردِها، فهو بذلك يدعمُ حقوقَ الإنسانِ ويدرأُ النزاعاتِ الداخلية، ومن ثَمَّ يُرسّخُ الاستقرارَ والسلام. والدولُ القويةُ هي التي تملكُ إرادةً تمكنُها من بسطِ سيادتِها الإداريةِ والقانونيةِ على كلِّ شبرٍ من أرضِها ومواردِها، لضمانِ خلوِّها من “المناطقِ الرخوة” التي قد تهددُ الأمنَ القومي.
ختاماً، تمنحُ الأرضُ بمواردِها وثرواتِها السيادةَ والهيبةَ والمكانةَ والمطمعَ للدولة، بينما يمنحُها الإنسانُ المواطنةَ والمنعةَ والشرعيةَ والهويةَ والثقافةَ والديموغرافية. والسيادةُ لا تُستوردُ ولا تُكتسبُ من الخارج، بل هي حصادُ تضحياتٍ بشرية وعمل دؤوب في الداخلِ والخارجِ يتمُّ بتفاعلِ الأرضِ والإنسان. فبدونِ الأرضِ وثرواتِها يصبحُ الإنسانُ لاجئاً، وبدونِ الإنسانِ والديموغرافيةِ تصبحُ الأرضُ مشاعاً تختطفُها الأطماعُ الخارجية، وبتلاحمِهما تكونُ الدولةُ ذاتَ سيادةٍ قويةٍ ومحترمةٍ في المجتمعينِ الإقليميِّ والدولي.
دكتور حسن موسى يوسف
اديس ابابا 23 رمضان 1447
12 مارس 2026








