رأي

م/وليد محمد المبارك يكتب : شئ من الجدية .. للمرة الاف .. السيادة الرقمية والحرب الإيرانية

السيادة الرقمية لم تعد خيارا، بل شرط بقاء

يظن كثيرون أن استهداف القيادات في إيران تم عبر جواسيس بالمعنى التقليدي، أشخاص ينقلون معلومات أو يحددون مواقع.
ويظن آخرون أن ضرب المواقع والمنشآت تم عبر إرسال إحداثيات بطريقة مباشرة عبر عناصر بشرية.

هذا الفهم قديم، ولا يفسر ما يحدث اليوم.

ما يجري في جوهره حرب بيانات، حرب صامتة تعتمد على تدفق المعلومات من داخل الأنظمة نفسها، دون حاجة إلى وسيط بشري.

اليوم، أي جهاز متصل يمثل نقطة تسرب محتملة.
أي خدمة رقمية خارج السيطرة تمثل نافذة مفتوحة.

خذ مثالا بسيطا لكنه واقعي في بنيته التقنية:
الأجهزة الطبية المزروعة داخل جسم الإنسان، مثل منظمات ضربات القلب، ترسل بيانات مستمرة عن حالة المريض إلى منصات متابعة.
هذه البيانات تشمل مؤشرات حيوية دقيقة، وتوقيتات، وأحيانا موقع الجهاز عند الربط بتطبيقات خارجية.
إذا خرجت هذه البيانات من سيطرة الدولة، فهي تتحول من خدمة طبية إلى أداة تعقب عالية الدقة.

لا أستطيع تأكيد حالات محددة بعينها، لكن من الناحية التقنية هذا السيناريو ممكن وقابل للتنفيذ.

ويقال انه تم استهداف مرشد ايران وتحديد موقعه عبر جهاز مماثل

الأمر نفسه ينطبق على السيارات الحديثة.
معظم السيارات الجديدة متصلة بشكل دائم بالشركة المصنعة عبر ما يسمى Connected Car Platforms.
تنقل بيانات عن:
الموقع الجغرافي
سرعة الحركة
عدد الركاب عبر الحساسات
سجل الرحلات
وأحيانا بيانات صوتية من داخل المقصورة

هذه البيانات تستخدم لتحسين الخدمة، لكنها في نفس الوقت تمثل قاعدة بيانات تحركات كاملة لأي مستخدم.

الهواتف الذكية أكثر خطورة.
الهاتف يحمل:
موقعك لحظة بلحظة
شبكة علاقاتك
سجلك المالي
صورك
محادثاتك

وعندما ترتبط هذه البيانات بخدمات سحابية خارج حدود الدولة، تصبح السيادة على هذه البيانات خارج يدك بالكامل.

المعاملات البنكية الرقمية تضيف طبقة أخرى من الكشف.
أنماط الصرف، المواقع، التوقيت، العلاقات المالية، كلها ترسم خريطة دقيقة لسلوك الفرد أو المؤسسة.

عند دمج هذه المصادر معا، نحصل على صورة كاملة:
من أنت
أين تتحرك
مع من تتواصل
متى تتحرك
كيف تفكر اقتصاديا

هذه ليست معلومات متفرقة، بل نظام مراقبة شامل يعمل بشكل تلقائي.

هنا تظهر الفجوة الحقيقية.
الدول التي تعتمد على بنية رقمية خارجية تفقد السيطرة دون أن تشعر.
تطبيقات، أنظمة تشغيل، خدمات سحابية، منصات دفع، كلها تعمل خارج نطاق السيادة الوطنية.

في هذه الحالة، لا تحتاج إلى جاسوس.
النظام نفسه يقوم بالمهمة.

السيادة الرقمية تعني شيئا محددا وواضحا:
أن تكون البيانات داخل حدودك
أن تكون البنية التحتية تحت سيطرتك
أن تكون مفاتيح التشفير بيدك
أن تفهم كيف تعمل الأنظمة التي تستخدمها

أي دولة لا تملك هذه العناصر، فهي مكشوفة.

الحرب الحديثة لا تبدأ بصاروخ.
تبدأ بحزمة بيانات.

والدولة التي لا تملك سيادتها الرقمية، تدخل الحرب وهي مكشوفة بالكامل.

للمرة الالف، الا قد بلغت اللهم فاشهد

م/وليد محمد المبارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى