هاشم عمر .. يكتب: مدارات للناس .. منعم حمزة : ابتسامة في وجه القسوة

مدارات للناس
هاشم عمر
منعم حمزة: ابتسامه في وجه القسوه
تظل تجربة الرسام الكاريكاتيري منعم حمزة تجربة فريدة ونموذجاً لفنان كامل الدسم. الكاريكاتير عنده ليس مجرد خطوط ساخرة، بل هو الصوت الأكثر صدقاً، وسلاح في وجه القمع. حمل ريشته كسيف، واختار أن يكون الفن مرآةً للواقع ولسان حال المهمشين. حمزة ليس مجرد رسام، بل هو رئيس تحرير، ناقد فني، كاتب ساخر، مصور فوتوغرافي، وباحث، وخريج كلية الفنون الجميلة. قصته ليست فقط سيرة شخصية، بل شهادة على زمنٍ مضطرب، وعلى علاقة الفن بالحرية والكرامة الإنسانية.
منذ طفولته، كان منعم حمزة يميل إلى الرسم والتلوين، يلتقط الألوان من الطبيعة ويعيد صياغتها على الورق. في المدرسة، كان يدهش معلميه بقدرته على تحويل المواقف اليومية إلى رسومات تحمل نقداً اجتماعياً مبكراً. وعندما التحق بكلية الفنون الجميلة، وجد بيئة تحتضن موهبته وتمنحه الأدوات الأكاديمية لصقلها. هناك، تبنّى أسلوب “السهل الممتنع”، حيث البساطة تخفي عمقاً كبيراً، وأصبح الفن بالنسبة له موقفاً فكرياً لا مجرد جماليات.
بعد التخرج، دخل عالم الصحافة، حيث الكلمة والصورة تخضعان لرقابة صارمة. لكنه كان يعرف أن قوة الكاريكاتير تكمن في قدرته على قول ما لا يُقال. تولى مناصب قيادية حتى أصبح رئيس تحرير، وكتب مقالات نقدية وساخرة، وصوّر بالكاميرا لحظات الحياة اليومية. رسوماته كانت تُتداول بين الناس وتُناقش في المجالس، وأصبح صوتاً لهم في مواجهة السلطة. لكنه بذلك وضع نفسه في مرمى الأجهزة الأمنية.
اعتُقل مرات عديدة، وأُطلق سراحه دون محاكمات. أجبر على كتابة تعهدات بعدم الرسم ضد الحكومة، وتلقى تهديدات ومضايقات ، وتعرض لمحاولتي اغتيال. زوجته غادة آدم، دكتورة في علم النفس، دفعت ثمناً باهظاً، إذ حُرمت من الترقية بسبب ارتباطها به. ومع ذلك، ظل منعم حمزة متمسكاً بريشته، يرى أن السخرية هي أقوى سلاح ضد الطغيان.
في عام 2013، اتخذ القرار الأصعب: أن يغادر السودان. ترك أسرته خلفه، وسافر عبر خمس دول في شتاء قارس، وهو مريض بالسكري. يقول: “أعتقد أنني صوت الصدى للذين ابتلعهم البحر.” وصلت أعداد المفقودين في البحر إلى نحو 19,000 في ذلك العام. وعندما وصل إلى النرويج، فوجئ بسرعة قبول طلبه بعد ثمانية أيام فقط، ليبدأ حياة جديدة في المنفى.
قضى عاماً ونصف في المعسكرات، حيث وفرت له الإدارة غرفة خاصة وأدوات فنية، فصمّم مشروع “البيت الأزرق” ليكون منتدى للمهاجرين. واجه صعوبة في التأقلم مع المناخ والمجتمع الجديد، لكنه وجد طريقه عبر تدريس الأطفال فنون الرسم في المدارس الحكومية. الفن ظل رفيقه، والحرية أصبحت واقعه الجديد.
أقام معارض في جنيف وبرشلونة والخرطوم حول مخاطر الهجرة غير الشرعية، وصرخ في وجه الاتحاد الأوروبي مطالباً برعاية المهاجرين. كما نظم معارض في أوسلو وبرينا لدعم أطفال الشوارع وأطفال جنوب السودان. بالنسبة له، الفن ليس ترفاً، بل رسالة إنسانية وصوت للذين لا صوت لهم.
يتحدث حمزة عن السودان بحزن وأمل. يذكر الحرب الأهلية، اتفاقية السلام الهشة، والانقسام بين الشمال والجنوب. بعد سقوط البشير، وجد البلاد غارقة في الفوضى والفساد والانهيار الاقتصادي. يقول: “وجدت أن كل شيء قد انهار تماماً، خاصة البنية التحتية والخدمات.” ومع ذلك، يظل يرى أن ما يهمه هو الإنسان، لا الجغرافيا ولا السياسة.
، عاد منعم حمزة إلى الخرطوم في زيارة قصيرة. كانت العودة بالنسبة له مواجهة بين صورة المدينة التي حملها في قلبه وبين واقعها الجديد. وجد الخرطوم منهكة، مظلمة، غارقة في الفوضى، وطوابير الخبز والبترول لا تنقطع. قال في حوار قصير: “كنت محبطاً من مستويات القبح والحالة التي وجدتها عليها الخرطوم.”
هذه الزيارة تركت أثراً عميقاً في نفسه، إذ شعر أن الخرطوم فقدت الكثير من ملامحها الإنسانية والجمالية. عاد إلى النرويج وهو يحمل إحباطاً مضاعفاً، وبعد زيارته الأخيرة اندلعت الحرب في العاصمة، لتغلق الباب أمام أي عودة قريبة. بالنسبة له، كانت تلك الزيارة بمثابة الوداع، أو ربما إعلان قطيعة مؤقتة مع مدينة لم تعد كما يعرفها. ومع ذلك، ظل الفن بالنسبة له وسيلة لحفظ الذاكرة، والريشة شاهداً على الخراب والأمل في آن واحد.
.








