البروفيسور علي عيسي عبدالرحمن يكتب : ورحل رائد العمل الدعوي عبر المؤسسات البروفيسور محمد عثمان صالح

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا].
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله- في فتح الباري: “فدل هذا على أن ذهاب العلم يكون بذهاب العلماء”.
وقد ذكر المفسرون في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}(الرعد:41)•
قال ابن عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها.
وكذا قال مجاهد: هو موت العلماء.
جاء في مجمع الزوائد عن سعيد بن المسيب قال: شهدت جنازة زيد بن ثابت فلما دفن في قبره قال ابن عباس: “يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم.. أيم الله لقد ذهب اليوم علم كثير” رواه الطبراني.
وجاء في كتاب “أخلاق العلماء” للآجري: قال كعب: «عليكم بالعلم قبل أن يذهب، فإن ذهاب العلم موت أهله، موت العالم نجم طمس، موت العالم كسر لا يجبر، وثلمة لا تسد، بأبي وأمي العلماء ـ قال: أحسبه قال: قبلتي إذا لقيتهم، وضالتي إذا لم ألقهم، لا خير في الناس إلا بهم».
انتقل البروفيسور محمد عثمان الأب المؤسس لهيئة علماء السودان واحد أساطين الدعوة الإسلامية عبر المؤسسات الدعوية، وبرحيله تكون الأمة الإسلامية قد فقدت أحد ركائز العمل الدعوي عموما وأحد رواد العمل الدعوي من خلال المؤسسات ، فالبروفيسور محمد عثمان صالح هو أحد الدعاة القلائل بالعالم الإسلامي الذين يدركون الأبعاد الاستراتيجية للعمل الدعوي ويخططون له عبر إنشاء المؤسسات الدعوية والإنسانية والمجتمعية والتعليمية وليس عبر العمل التقليدي المتمثل في الوعظ والإرشاد .
لقد خطط الراحل البروفيسور محمد عثمان صالح لهذا البعد الاستراتيجي للعمل الدعوي في وقت كانت دولة المشروع الحضاري غافلة عن ذلك ، فقد أنشأ المؤسسات الدعوية (هيئة علماء السودان ومركز أبحاث الإيمان والمركز النسائي الإسلامي العالمي ) وجعل من هذه المؤسسات منطلقا لاستدامة العمل الدعوي والإنساني والمجتمعي فرفد العمل الدعوي بمطلوبات نوعية تواكب تطلعات المسلمين والإنسانية .
رحل البروفيسور محمد عثمان صالح وقد بذل كل ما في وسعه من مبادرات دعوية نوعية وعزز استدامة العمل الدعوي على امتداد العالم ، بنشاطه الدعوي الخارجي عبر المؤسسات الدعوية الإسلامية العالمية ، تقبل الله منه وجزاه الله عن الأمة خيرا .
لقد تشرب الراحل البروفيسور محمد عثمان أخلاق الدعوة ، عبر السلوك الشخصي الملتزم بالدعوة فقد كان خلقه القرآن .
المغفور له البروفيسور محمد عثمان صالح يتميز بالصدع بالحق ولا تأخذه في ذلك لومة لائم وكثيرا ما يوجه النصح للحكام ويغضب في الله وهي الغيرة المحمودة عند انتهاك حرمات الله، وهو دليل على صدق الإيمان وكمال محبة الله، حيث يغضب المؤمن لله لا لنفسه. يتضمن ذلك إنكار المنكر، وبغض المعاصي، وكثيرة هي البيانات التي كانت تصدرها الهيئة وتنصح فيها الحكام ولا تخلو من حدة اللهجة كانت بمباركته .
لقد كان آخر تواصلي معه يوم 20 مارس وقد قدمت له التصور الذي أعدته الهيئة لتكريمه وقد تكونت لجنة لهذا الغرض منذ أشهر وقد جاء تصور التكريم وفق المحاور الآتية :
1.الفيلم الوثائقي للمحتفى به .
2.معرض مخطوطات يحتوي على إنتاج علمي للمحتفى به ونبذة عن المؤسسات الدعوية والمجتمعية التي أنشأها والمؤسسات التعليمية والتربوية التي أدارها ومشاركاته الداخلية والخارجية
3 كتاب (البروفيسور محمدعثمان صالح وجهوده في الدعوة الى الله ( الكتاب من تأليفي).
4.ربط التكريم بموسم دعوي وأنشطة أدبية ومجتمعية مصاحبة .
أرادت هيئة علماء السودان أن يكون المحتفى به شهودا لهذا التكريم ولكن إرادة الله هي الغالبة .
على صعيدي الشخصي فقد كان أستاذي وزميلي بكلية الدعوة بجامعة أم درمان الإسلامية وبرحيله فقد فقدت شيخا وأستاذا واخا وصديقا ، كان أكثر إنسان واصلته في حياتي ، فلم تطأ قدماي منزلا أكثر من منزله فقد جمعنا الهم الدعوي المشترك ولم أكن الوحيد بين الزائرين فثمة زوار كثر وقد كان منزله مثابة للدعاة وأمنا لهم وكان بابه مفتوحا تماما فقد عرف الراحل بكرمه وسخائه وكان مضيافا لا تنطفئ نار (قدره) وليس ذلك فحسب بل كان يصر بأن يكرم زائره بمبلغ مالي قائلا له( دا حق البنزين) ، فتلكم هي أخلاقه التي عرف بها ضمن قائمة طويلة من السلوك الراقي الذي يدركه كل من جالسه ، فقد وسع الجميع بحلمه وطيب معشره ، فقد جمعتنا هيئة علماء السودان التي أسسها قبل ثلاثة عقود وكنت معه لعقدين من الزمان وكان أكثر وصاياه لي الصوتية المسجلة والمكتوبة كان يوصيني بالصبر سيما في أيامه الأخيرة ، فقد طلبت منه كثيرا إعفائي عن مهام الأمانة العامة بالهيئة فكان يصر علي بأن أصبر وألوك الصبر (هكذا يقول لي) وهذا ما حملني على الاستمرار فقد قال لي والله شهيد على ما أقول بأن هذه الهيئة أمانة في ذمتي مما جعلني انحني أمام العواصف لأعبر بالهيئة إلى بر الأمان وأحمل هذه الأمانة لأهلها في الانتخابات القريبة وتكون بذلك قد برئت ذمتي وأكون بذلك وفيا لأستاذي.
اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.







