رأي

الفاتح داؤد يكتب،،،، مشروع الحل الجذري لمياه القضارف.. رحلة طويلة بين التخطيط والتعثر وآمال الاكتمال

الفاتح داؤد يكتب،،،،

مشروع الحل الجذري لمياه القضارف.. رحلة طويلة بين التخطيط والتعثر وآمال الاكتمال

 

بلاشك تُعد قضية مياه القضارف واحدة من أكثر الملفات التنموية، تعقيداً في تاريخ الولاية،بعد ان امتدت رحلة البحث عن ابجاد حل لها لعقود،تعاقبت خلالها أجيال وتبدلت حكومات واهتزت قناعات، بل وتداخلت فيها الاعتبارات الفنية والمالية والسياسية، قبل أن يتحول المشروع مؤخرا، إلى أحد أكبر المهددات الاستراتيجية للولاية.

 

تاريخيا بدأ التفكير الجاد في إيجاد حل دائم، لمشكلة مياه القضارف خلال فترة والي الولاية الأسبق عبد الرحمن الخضر. الذي يُحسب له ان المشروع يعد من أبرز المبادرات التنموية والاستراتيجية التي انطلقت في عهده.

 

في البداية، اتجهت الدراسات إلى خيار نقل المياه من خزان خشم القربة، إلا أن الدراسات الفنية استبعدت هذا المقترح، بسبب طول المسافة (130) كيلومتراً، إلى جانب ارتفاع تكلفة الضخ، ومشكلات الإطماء،و تكاليف التشغيل والصيانة.

 

عقب ذلك، شرعت حكومة الولاية في التنسيق مع إدارة المياه بوزارة الري والسدود، لإجراء الدراسات الفنية اللازمة،حتي شهد عام “2011 “تحولاً مهماً، عندما تم نقل ملف مشروع مياه القضارف، إلى وحدة تنفيذ السدود الاتحادية، خلال فترة الوالي الضو الماحي، حيث جرى دمج مشروع مياه القضارف، مع مشروع سد اعالي عطبرة وسيتيت.

 

ونجحت الحكومة في تأمين التمويل عبر قرض من بنك التنمية الإسلامي بجدة، بلغت قيمته (78.7) مليون دولار. وبعد اعتماد الدراسات الفنية، أوفد البنك فريقاً من الخبراء إلى موقع المشروع،وافق على تولى وحدة تنفيذ السدود عمليات الإشراف الفني والإداري للمشروع.

 

وبناءً على الاشتراطات الفنية للبنك،تم طرح عطاء دولي للخدمات الاستشارية، رست على الشركة الوطنية الصينية للمياه والطاقة (CWE)، التي تولت تنفيذ المشروع،بموجب عقد وقعته مع وحدة تنفيذ السدود الاتحادية.

 

وشمل التصميم إنشاء محطة المأخذ من جسم السد، بطاقة تصميمية (150) ألف متر مكعب يومياً،لتوفير احتياجات المدينة المستقبلية من المياه.

 

وفي عام “2014”م دخل المشروع مرحلة جديدة، تمثلت في التخطيط لإنشاء الشبكة الداخلية الجديدة للمدينة، لاستقبال المياه القادمة من السد. وبعد دراسات فنية، وقع الاختيار على خزان جبل الشمالياب، الذي يرتفع نحو (670) متراً فوق سطح البحر، ليكون الموقع الأنسب، بدلاً من جبل الجيش الذي ارتفاعه (730) متراً.

 

كما حُددت مسارات الخطوط الناقلة الرئيسية، حيث يبدأ المسار الشمالي من السد ،النورس، وجبل تواو، بينما يمتد المسار الشرقي، عبر دلسة، والشريف العاقب ،وأبايو، فيما يعبر المسار الجنوبي جنوب اطراف سلامة البي، لتلتقي جميع الخطوط بمحطة أبو النجا.

وتضمن التخطيط كذلك إنشاء ثلاثة خطوط رئيسية، من جبل الجيش إلى داخل المدينة.

 

وفي ديسمبر( 2014)م رسا عطاء تصميم الشبكة الإطارية، على الدار الاستشارية بجامعة الخرطوم، التي أشرف على أعمال التصميم، ودعت نخبة من خبراء المياه في السودان، إلى ورشة علمية بالقضارف، لمراجعة المخطط ولاجراء عصف ذهني حول أفضل البدائل الفنية.

ووفقاً للتصميم النهائي، بلغ طول الشبكة نحو (207) كلم، مع إنشاء (600) منهول، قبل أن يتم تقليص العدد إلى (200)، لأسباب فنية تتعلق بتخطيط الشوارع وتعقيدات التشغيل .

 

وتم تقسيم الشبكة إلى ثلاثة قطاعات رئيسية،القطاع الشمالي للمدينة بطول (97) كيلومتراً،والجنوبي بطول (87) كلم، و الغربي بطول (40) كلم.

 

وخلال عهدة الوالي الراحل ميرغني صالح،تم طرح عطاء لتوريد أنابيب المشروع، وفق المواصفات الفنية للمقاول الصيني، ورسا العطاء حينها على شركة الوسام لتصنيع أنابيب المياه.

 

كما طُرح عطاء تنفيذ الشبكة الداخلية لاحقا،وتنافست عليه عدة شركات خضعت جمبعها، لتقييم فني وميداني بواسطة لجنة مشتركة،ضمت وزارات المالية والتخطيط العمراني وبلدية القضارف وهيئة مياه الولاية، قبل أن يُرسى العطاء على ثلاث شركات هي: طيبة للمقاولات، وMMC للإنشاءات الهندسية،وأريبا للمقاولات والأعمال الهندسية.

 

باشرت تلك الشركات أعمالها الميدانية منتصف عام” 2016″، وأنجزت الخطوط الإطارية خلال عام “2017” في زمن قياسي.

 

غير أن المشروع تعرض لانتكاسة كبيرة عام 2019م، بعد توقف الشركة الصينية عن العمل، نتيجة الاضطرابات السياسية والأمنية التي صاحبت ثورة ديسمبر. حيث بلغت نسبة الإنجاز”وفق تقارير فنية” في الأعمال المدنية والميكانيكية والكهربائية نسبة (88.7%).

 

و كانت الحكومة السودانية حينها مطالبة بسداد نحو (17) مليون دولار، تمثل المتبقي من مستحقات الشركة المنفذة، وهو ما تم سداده بالفعل خلال فترة الوالي سليمان علي.

 

وعقب السداد، عادت الشركة الصينية لاستئناف العمل، رغم تعرض المشروع لاعتداءات طالت الآليات والأصول. وبرغم تلك التحديات، واصلت الشركة العمل في الخط الناقل الرئيسي الذي اقترب من الانتهاء، قبل أن تضطر مجددا إلى مغادرة السودان عقب اندلاع الحرب.

 

ورغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، واصلت حكومة ولاية القضارف، جهودها لاكمال المشروع، من خلال الالتزام بتأمين اللازم الموقع والاصول،اقناع وزارة المالية الاتحادية بمعالجة ملف المتأخرات، إلى جانب جمع شركاء المشروع،في بورتسودان بمن فيهم وزارة المالية الاتحادية، ووحدة تنفيذ السدود، والمقاول الصيني، والشركات المنفذة، للنقاش حول كيفية استئناف الأعمال المتبقية.

 

وأثمرت هذه الجهود عن توقيع مذكرة تفاهم، مع الجانب الصيني لسداد (3.214) مليون دولار عبارة عن متأخرات، تم دفع 50% منها افوراً، على أن يُستكمل المتبقي بعد وصول الفرق الفنية إلى موقع المشروع. بالمقابل وافق المقاول الصيني، على العمل والتتنسيق مع الشركات التي اختارتها،وحدة تنفيذ السدود لاستكمال الشبكة الداخلية.

 

واليوم، يقف مشروع الحل الجذري لمياه القضارف، على أعتاب مرحله مفصلية، بعد مسيرة امتدت لأكثر من عقد ونصف، تعاقبت خلالها الحكومات، وتبدلت الظروف السياسية والاقتصادية، لكن ظل حلم مواطني القضارف في الحصول على مصدر مياه مستدام وآمن معركة وجود وبقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى