همسه وطنيه دكتور طارق عشيري يكتب : هل تنهي الحرب الجهوية والقبيلة؟

لازلنا نغوص في اعماق حرب السودان نكتب للتاريخ لعل مافي( همستنا) تجد الدولة ومحللي السياسية حلا لهذا الوطن الجريح في كل حرب يكتشف الناس( متأخرين) أن( أخطر المعارك) ليست تلك التي تُسمع فيها أصوات الرصاص، بل تلك التي تُزرع (بصمت) داخل النفوس.
(فالجهوية والقبلية) حين تتحولان إلى( أدوات صراع)، (تصبحان ناراً بطيئة) تلتهم الوطن من الداخل، حتى وإن (صمتت البنادق).
لقد مرت على السودان (سنوات ثقيلة) كشفت حجم (التشققات الاجتماعية) التي كانت (مختبئة) تحت السطح.
ومع اشتداد الحرب، عاد كثيرون إلى( الاحتماء بالقبيلة والجهة)، لا( حباً في الانقسام)، بل( خوفاً من المجهول) و(غياب الدولة) و(ضعف الإحساس بالأمان). وهنا ظهرت الحقيقة المؤلمة: عندما تضعف الدولة الوطنية، تكبر الهويات الصغيرة تلقائياً.
لكن السؤال الأهم: هل يمكن للحرب أن تنهي الجهوية والقبلية؟
الإجابة ليست سهلة.
فالحروب لا (تصنع الوحدة وحدها)، لكنها قد( تصنع الوعي).
قد تجعل الناس يدركون أن( خطاب الكراهية) لا يبني وطناً، وأن (التحريض القبلي قد يمنح مكاسب مؤقتة)، لكنه( يترك جراحاً عميقة يصعب شفاؤها).
(القبيلة) في أصلها ليست( مشكلة)، فهي جزء من النسيج الاجتماعي السوداني، وتحمل( قيماً عظيمة) من الشهامة والتكافل وصلة الرحم. لكن الخطر يبدأ حين تتحول (القبيلة إلى مشروع سياسي)، أو (وسيلة للهيمنة والإقصاء)، أو (معيار للحقوق والفرص والانتماء الوطني).
لقد أثبتت الحرب أن (الوطن حين يسقط)، لا تسأل النار عن القبيلة.
(الجوع لا يفرق بين شرق وغرب)، و(النزوح) لا يعترف بالأسماء، و(الخوف) حين يدخل البيوت يجعل الجميع متشابهين في الألم.
ولهذا فإن بناء سودان ما بعد الحرب يحتاج إلى شجاعة أكبر من شجاعة القتال؛ يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ومواجهة خطاب العنصرية، وفتح أبواب العدالة والمصالحة الحقيقية.
إن القضاء على الجهوية لا يكون (بالشعارات)، بل( ببناء دولة عادلة) يشعر فيها ابن الهامش وابن المركز بأنهما متساويان في الحقوق والواجبات.
ويكون أيضاً (بتنمية متوازنة)، و(تعليم وطني)، و(إعلام مسؤول)، و(خطاب سياسي) يعلي قيمة السودان فوق كل انتماء ضيق.
(السودان بلد لا يشبه إلا نفسه)، بتنوعه الكبير وثقافاته ولهجاته وأعراقه.
وهذا (التنوع ليس لعنة) كما يصوره البعض، بل يمكن أن يكون (مصدر قوة) إذا أحسنّا إدارته بعقل وحكمة وعدالة.
ربما تكون هذه الحرب قد تركت الخراب في الطرقات والمنازل، لكنها أيضاً وضعت السودانيين أمام سؤال مصيري
هل نريد وطناً يجمعنا، أم ساحات مفتوحة للانقسام؟
إن المستقبل لن( تصنعه القبائل المتنازعة)، بل( سيصنعه شعب يؤمن أن الوطن أكبر من الجغرافيا)، و(أعمق من الجهة)، وأبقى من المصالح المؤقتة.
فإذا تعلم السودانيون من هذه( المأساة) أن الإنسان يُحترم( لوطنيته) لا (لقبيلته)، وأن قوة الدولة في وحدتها لا في انقساماتها، عندها فقط يمكن القول إن الحرب ـ رغم قسوتها ـ قد( أنجبت وعياً جديداً) ينقذ ما تبقى من الوطن.وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل








