الفاتح داؤد يكتب،،، عقليةالمركز وأزمة الإعلام الولائي: قراءة في”تصريحات جراهام عبدالقادر”

الفاتح داؤد يكتب،،،
عقليةالمركز وأزمة الإعلام الولائي: قراءة في”تصريحات جراهام عبدالقادر”
اتهام وكيل وزارة الثقافة والإعلام الاتحادية، لهيئات الإذاعة والتلفزيون الولائية بإجهاض مشروع التنوع الثقافي،لاتبدو مجرد ذلة لسان لمسئول في قطاع حساس،بقدر ماجسدت بوضوح حجم أزمة عميقة لازالت تسيطر علي طريقة تفكير النخبة،في فهم طبيعة الدولة السودانية، وتعقيدات واقعها الاجتماعي والثقافي خارج فضاء العاصمة.
فهذه المؤسسات “هيئات الازاعة والتلفزيون الولائية” المفتري عليها، وُلدت أصلاً من رحم الحاجة إلى التعبير،عن الخصوصيات الثقافيةللمجتمعات المحلية، وإبراز التنوع الثقافي و اللغوي والاثني،فكيف يمكن اختزال دور هذا المؤسسات الاستراتجية،في صورة نمطية جائرة، وتحميلها وذر إخفاقات الدولة المركزية في إدارة ملف الثقافة والإعلام.
حديث السيد جراهام عبدالقادر بدا أقرب إلى ممارسة الوصاية الثقافية، من كونه قراءة موضوعية لواقع وتعقيدات الإعلام الولائي. فمن غير المقبول أن تُلقى الاتهامات جزافا من أعلى المنابر الصحفية دون أدنى،استعداد لمناقشة التحديات الهيكلية والتشغيلية،التي تواجه الهيئات الولائية المفتري عليها،من في شح الإمكانيات،و ضعف التمويل،وغياب التدريب،وانعدام اسباب الاستقرار الإداري،أوحتى غياب الرؤية الاستراتجية الاتحادية الواضحة لادارة الإعلام المحلي.
فقبل إصدار الأحكام القاسية،كان الأجدر بوكيل وزارة الثقافة والإعلام أن يسأل نفسه،ماذا قدم وزارته من دعم فني أو مالي، لهذه المؤسسات.قبل ان تحملها اوزار فشل مشروع التنوع الثقافي؟
الحقيقة المرة التي تتجاهلها للاسف نخبة المركز،أن هيئات الإذاعة والتلفزيون الولائية، ظلت منذ اندلاع الحرب تمثل، خط الدفاع الأول عن كيان الدولة،وعن قوة مؤسساتها وتماسك نسيجها الاجتماعي، خاصة في الولايات التي اكتوت بتداعيات الحرب الانسانيةوالسياسية.
فقد فتحت الهيئات الولائية منابرها لبث الطمأنينة بين المواطنين،باللهجات المحلية،والفنون الشعبية، والتراث المحلي،بل كانت صوت المقاومة الشعبية الاول منذ ان كانت فكرة،حتي تحولت الي مشروع وطني، حدث كل هذا في وقت ظل ولازال فيه إعلام الدولة “الغائب الحاضر” المركزي،أسيراً لنمط ثقافي لازال أحادي التوجه،اختزل كل الهم الثقافي في السودان، وفق رؤية العاصمة ومزاج نخبتها العاصمة السياسية والثقافية.
حيث لازالت بعض دوائر المركز تعيش، في عالم منفصم تماما عن واقع السودان،المتشظي بالحرب والأزمات والمشحون بخطاب الكراهية. فما يجري اليوم من تصاعد لخطاب الكراهية والتحريض الثقافي،كان يفترض أن يدفع وزارة الثقافة والإعلام، التي نصبت نفسها وصيا الهم الثقافي،إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة لتعزيز التنوع والتسامح،عبر تقوية المؤسسات الإعلامية والثقافية،بدلا من شيطنتها أو التقليل من أدوارها الاستراتجية.فقد نسي السيد الوكيل أن الهيئات الولائية وحدها من صمدت، حين غاب صوت الهيئة القومية للازاعةوالتلفزيون.
حدث كل ذلك لقناعة منسوبي الهيئات الولائية أن معركة السودان الحقيقية، لم تكن مجرد معركة عسكرية أو سياسية، بل معركة وعي ثقاقي وهوية وطنية وتماسك اجتماعي.
لكن الأكثر خطورة في هذه التصريحات المستفزة، أنها تبدو ك محاولة لإعادة إنتاج عقلية الوصاية المركزية،التي صنعت أزمات السودان التاريخية،من خلال الاصرار علي احتكار الحقيقة،وممارسة الاستاذية عند التعامل مع مشاكل الولايات،باعتبارها هوامش ثقافية يجي ان تتلقى التعليمات،لا ك شريك أصيل في صناعة القرار الثقافي والإعلامي. بينما ثبت بالتجارب ان احد اهم اسباب فشل البناء الوطني،كانت ولازالت في الاصرار علي مركزية التخطيط والتنفيذ،التي للاسف همّشت التنوع الحقيقي،وأضعفت روح الإحساس بالمواطنة المتساوية.
كذلك من المفارقات المؤلمة أن يصدر الحديث عن“إجهاض التنوع الثقافي”، من مؤسسة يفترض أنها مسؤولة بالاصالة،عن إدارةالتنوع ورعايته. فالوزارة التي لم تنجح حتى الآن في بناء مشروع ثقافي جامع،أو خلق شراكات حقيقية مع الهيئات الولائية،لا تملك رفاهية توزيع الاتهامات أو ممارسة التعالي الإداري والثقافي.
وما قاله السيد”جراهام عبدالقادر” لايعبر فقط عن أزمة خطاب،بل عن أزمة تصور كامل لدى بعض النخب الثقافية،التي لا تزال تعيش في برج عاجي، تنظر من خلاله إلى مشاكل السودان، بعين المركز القديم رغم أن البلاد قد تغيرت جذرياً، بفعل الحرب والهجرات والانقسامات الاجتماعية.لذلك فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من تكريس المركزية والوصاية، بل بإعادة الاعتبار للمؤسسات الولائية، وتمكينها ومنحها مساحة أوسع،للتعبير عن التنوع السوداني الحقيقي.








