همسه وطنيه دكتور طارق عشيري يكتب : لم نتذوق طعم الجمعة بعد الحرب

مع اشراقات الصباح دائما اكتب مقالي اليومي بعد قراءة الاحداث وواقع الحال لم اعلم ان اليوم الجمعة فقد اختلفت بعد الحرب لم نعد نذهب الي السوق فالحال يغني عن السؤال وهناك أشياء لا تعوضها الكلمات، ولا يمكن أن تُشترى بالمال، ومن بينها ذلك الشعور الذي كان يملأ قلوب السودانيين مع صباح يوم الجمعة. لم تكن الجمعة مجرد يوم عطلة، بل كانت موعدًا ثابتًا للمحبة، ولَمَّة الأسرة، وصلة الرحم، ورائحة الطعام التي تعبق في البيوت، وضحكات الأطفال، وسكينة المساجد، وأحاديث الجيران التي تمنح الحياة معناها.
لكن الحرب لم تستهدف المباني وحدها، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وسلبت الناس أبسط مظاهر الطمأنينة. أصبح كثيرون يستقبلون الجمعة بعيدًا عن منازلهم، أو في مدن وولايات أخرى، أو في بلاد اللجوء، بينما بقي آخرون يحملون في قلوبهم شوقًا إلى لَمَّةٍ كانت بالأمس أمرًا عاديًا، وأصبحت اليوم حلمًا مؤجلًا.
لم تعد الجمعة تحمل الشعور ذاته؛ فهناك مقاعد فارغة تركها الغياب، وبيوت أُغلقت أبوابها، وأسر تفرقت بين النزوح واللجوء، وذكريات تؤلم أكثر مما تُفرح. ورغم ذلك، بقي الأمل حاضرًا في نفوس السودانيين، لأنهم يدركون أن الأوطان يمكن أن تنهض إذا توحدت الإرادة، وأن ما هدمته الحرب يمكن أن تبنيه العزيمة والعمل.
إن استعادة طعم الجمعة لا تبدأ بعودة الناس إلى بيوتهم فقط، بل تبدأ بعودة الأمن، وترسيخ السلام، وإحياء قيم التراحم والتكافل والتسامح. فالوطن الذي يجتمع فيه الناس بلا خوف هو الوطن الذي يستحق أن يُبنى من جديد.
ولعل أعظم ما نحتاج إليه اليوم هو أن نعمل جميعًا من أجل مستقبل لا يحرم أبناء السودان من أبسط حقوقهم في الحياة الآمنة، وأن نجعل من إعادة بناء الإنسان والأسرة والمجتمع أولوية لا تقل أهمية عن إعادة بناء الطرق والجسور والمؤسسات.
نسأل الله أن يعيد إلى السودان أمنه واستقراره، وأن يجمع شمل أهله، وأن يأتي يوم يعود فيه للجمعة طعمها الجميل، فتعود البيوت عامرة، والقلوب مطمئنة، والوجوه باسمة، ويعود الوطن كما يستحق أن يكون: وطنًا يجمع ولا يفرق، ويمنح أبناءه الأمل بعد سنوات الألم. وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل








