
حاوره/ الدبلوماسي… احمد الماحي الطاهر
قبل أن يتغير كل شيء… لو رجعنا بك إلى اليوم الذي عرفت فيه أن قلبك مريض… ما أول شيء انهار داخلك؟ جسدك أم نفسيتك؟
كنت في حالة ذهول شديدة، لأنني كنت أعاني من أعراض ومشاكل في القلب، لكن الأطباء في السودان كانوا قد أكدوا لي أن قلبي سليم، واتضح بعد أن التشخيص كان خاطئًا.
لذلك عندما عرفت الحقيقة، لم تكن الصدمة جسدية فقط، وإنما كانت الصدمة النفسية أكبر؛ لأنني اكتشفت فجأة أن المرض الذي كنت أعتقد أنه غير موجود كان بالفعل موجودًا، وأن حياتي ربما كانت أمام مرحلة مختلفة تمامًا.
⸻
هل جاء وقت شعرت فيه أن الموت أصبح قريبًا منك بصورة لم تتخيلها؟
نعم، أكيد. شعرت وقتها أنني ربما أكون في نهاية الطريق، خصوصًا عندما أخبرني الطبيب في مكة أنني مصاب بذبحة صدرية، وأن لدي ثلاثة شرايين تحتاج إلى تدخل.
وكان ذلك قبل أكثر من 35 عامًا، وفي ذلك الزمن كانت عملية القلب المفتوح من أكبر العمليات التي تثير الخوف والقلق في نفس المريض.
لذلك، لأول مرة شعرت أن الموت أصبح قريبًا مني بصورة لم أتخيلها من قبل، وأن حياتي يمكن أن تتغير في لحظة.

⸻
هل أخفيت خوفك عن أهلك حتى لا يعيشوا معك الرعب؟
لا، لم أستطع أن أخفي خوفي عن أهلي، لأن حالتي الصحية كانت سيئة وواضحة، وما كان ممكنًا أن أخفي عنهم حجم المشكلة، خاصة قبل سفري من السودان إلى السعودية لإجراء الفحوصات اللازمة.
وفي الحقيقة، كانت السعودية أول محطة في رحلة العلاج، لكنها كانت أيضًا بداية الرحلة الصادمة بالنسبة لي ولأهلي.
هناك بدأت أكتشف أن الأمر أكبر بكثير مما كنا نتوقع، وأن الطريق أمامي لن يكون سهلًا.
⸻
عندما قيل لك إن الحل قد يكون زراعة قلب… ماذا كان أول شعور؟ خوف أم أمل؟
بصراحة، كان مزيجًا من المشاعر، لكن لا أستطيع أن أقول إنه كان خوفًا بالمعنى المباشر؛ لأن كان عندي يقين كامل بالله، وكنت مؤمنًا أن الأعمار بيد الله….
لكن في الوقت نفسه، عندما قيل لي إن الحل قد يكون زراعة قلب، شعرت أنني أمام طريق شبه مسدود، وطريق بعيد جدًا عن متناول يدي، ويحتاج إلى ترتيبات كنت أراها في ذلك الوقت شبه مستحيلة.
بدأت أسأل نفسي: إلى أي دولة أسافر؟ وكيف يمكن أن أجد متبرعًا؟ ومن أين أبدأ الإجراءات؟ وهل سأعيش أصلًا حتى أجد الطريق المناسب؟ وما هي مواصفات القلب الذي يمكن أن يتناسب معي؟ وهل يمكن أن أجد هذا القلب بسهولة؟
كنت أفهم فكرة زراعة الكلى، لكن زراعة القلب كانت بالنسبة لي شيئًا مختلفًا تمامًا.
في ذلك الزمن، وحتى في الدول المتقدمة، كانت زراعة القلب تبدو وكأنها واحدة من المعجزات الطبية.
كان من الصعب جدًا عليّ أن أتخيل أن يحدث هذا لي أنا، وأن يأتي يوم يكون بداخلي قلب منقول من شخص آخر.
⸻
هل تخيلت يومًا أنك ستعيش بقلب إنسان آخر؟
بصراحة، لا. في بداية الرحلة لم أكن أستطيع حتى أن أتخيل هذا الأمر.
وكما ذكرت، كانت أول محطة في رحلة العلاج هي مكة المكرمة، في مستشفى النور.
هناك قابلت الدكتور الجراح السوداني مشعل غندور، الذي أجرى لي عملية تغيير ثلاثة شرايين، وكان معي أيضًا الدكتور عثمان إلياس.
في البداية شعرت أنني تجاوزت أصعب مرحلة، واعتقدت أن الجزء الأول من رحلة المرض قد انتهى بعد هذه العملية الكبيرة.
لكن الأطباء أخبروني أن هناك مشكلة أكبر ما زالت موجودة؛ فعضلة القلب كانت ضعيفة جدًا، وكانت تعمل بنسبة حوالي 28%.
عندها سمعت لأول مرة أن الحل قد يكون استبدال هذا القلب بقلب آخر، أي زراعة قلب.
وهنا أصبحت الفكرة أكثر صعوبة بالنسبة لي:
كيف يمكن أن أعيش بقلب إنسان آخر؟
وكيف يمكن أن يحدث ذلك أصلًا؟
كانت فكرة لم أتخيل يومًا أن تكون جزءًا من حياتي.
⸻
من كان الشخص الذي أعطاك أكبر جرعة أمل في أصعب أيامك؟
كانت معي زوجتي ورفيقة دربي خلود محمد أحمد قاسم.
كانت سندي الحقيقي طوال رحلة المرض، وكانت تقف معي في كل مرحلة، خصوصًا في اللحظات التي كانت فيها القرارات صعبة والمستقبل غير واضح.
لم تكن فقط بجانبي كزوجة، بل كنا نتخذ معًا القرارات المصيرية، ونتشارك الخوف والأمل، ونحاول أن نواجه كل مرحلة بإيمان ويقين بالله.
وأنا أقول دائمًا إن الله سبحانه وتعالى سخر لي بعده أشخاصًا كثيرين، لكن خلود كانت أقرب إنسانة إليّ في هذه الرحلة، وكانت معي خطوة بخطوة.
ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، ما زالت هي العون والسند بعد الله سبحانه وتعالى.
وأعتقد أن الإنسان عندما يمر بمحنة كبيرة، لا يحتاج فقط إلى الطبيب والعلاج، وإنما يحتاج أيضًا إلى شخص يؤمن به عندما تكون الظروف كلها تدعوه إلى اليأس.
وأنا كنت محظوظًا بوجود خلود إلى جانبي.
⸻
كيف كان شعورك وأنت تسافر إلى أمريكا وأنت تحمل احتمالًا مصيريًا لا تعرف نهايته؟
كانت رحلتي إلى أمريكا عام 1996، وأعتقد أن أصعب ما في تلك الرحلة لم يكن السفر نفسه، وإنما ذلك المجهول الذي كان ينتظرنا في نهايتها.
طوال رحلة الطيران كان الصمت والخوف من المصير يرافقانني أنا وزوجتي.
كنا لا نعرف ماذا سيحدث، ولا إلى أين ستأخذنا رحلة العلاج، ولا حتى إذا كنت سأعود إلى السودان أم لا.
وكان معنا طفلان صغيران؛ مهند وكان عمره ست سنوات، ومؤمن وكان عمره ثلاث سنوات.
وكنا في بلد جديد تمامًا بالنسبة لنا، لا أقارب لنا فيه ولا أصدقاء، ولا نعرف من أين سنبدأ، ولا أي مستشفى سنذهب إليه، ولا أي طبيب يمكن أن يساعدني.
ومع كل هذا الخوف، كنا نحاول أمام الأطفال أن نظهر بصورة مختلفة تمامًا.
كنا نقول لهما إننا ذاهبون إلى أمريكا لكي نكون سعداء ومبسوطين، ونحدثهما عن الملاهي وجمال البلد، حتى لا يشعروا بما كان بداخلنا من قلق وخوف.
كانت رحلة إلى المجهول، لكن كان عندنا يقين أن الله سبحانه وتعالى سيقودنا إلى الطريق الصحيح.
⸻
ما أصعب شيء واجهته هناك بعيدًا عن السودان؟
أما أصعب شيء واجهته في أمريكا، بعيدًا عن السودان، فكان أن نعرف من أين نبدأ.
لم تكن المشكلة فقط أنني مريض، وإنما كيف أجد الطبيب المناسب؟ وأي مستشفى أذهب إليه؟ ومن هو الطبيب المتخصص الذي يمكن أن يفهم حالتي ويعطيني الأمل في العلاج؟
كنا في بلد لا نعرف فيه أحدًا، ولا نملك شبكة من الأقارب والأصدقاء تساعدنا في الوصول إلى المكان الصحيح.
وكانت هذه بالنسبة لي مرحلة صعبة جدًا، لأن الوقت لم يكن في صالحي، وحالتي الصحية كانت تحتاج إلى رعاية متخصصة.
لكن رغم كل هذا، لم أفقد يقيني بالله.
كنت أقول لنفسي: نحن وصلنا إلى هنا لسبب، وعلينا أن نبحث ونسعى ونأخذ بالأسباب، والباقي على الله.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة من رحلة العلاج؛ مرحلة البحث عن الطبيب والمستشفى، والبحث في نفس الوقت عن فرصة للحياة.
⸻
عندما علمت أن هناك إنسانًا مات وأن قلبه أصبح سببًا في استمرار حياتك… ماذا حدث بداخلك؟
هذا السؤال من أصعب الأسئلة بالنسبة لي، لأنني عندما دخلت عملية زراعة القلب كنت أعرف أن هناك إنسانًا آخر قد توفي، وأن قلبه أصبح سببًا في استمرار حياتي.
لكن الغريب أنني كنت أشعر بمزيج من الفرح والخوف في الوقت نفسه، وهذا الشعور صاحبني في كل مرحلة من مراحل المرض، وما زال يرافقني حتى اليوم.
ولا تستغرب من ردي عندما أقول إنني سعيد بهذا الخليط من الفرح والخوف؛ لأنه جعلني دائمًا قريبًا من الله، وجعلني أتذكر الموت، ولا تغرني الحياة ولا تلهيني عن الحقيقة.
وعندما دخلت غرفة العمليات، كنت سعيدًا جدًا، رغم أنني لم أكن أعرف ماذا ستكون النتيجة.
كنت قد وصلت إلى مرحلة أنهكني فيها المرض كثيرًا، ولذلك قلت لنفسي: أنا أخذت بالأسباب، والآن أسأل الله أن يختار لي، وأفوض أمري إليه.
وبالفعل انتهت العملية، وبدأت حياة جديدة، لكن الخوف لم ينتهِ.
بدأ سؤال جديد: هل سيتقبل جسمي القلب الجديد أم سيرفضه؟
ثم بدأت مرحلة أخرى من أصعب مراحل الرحلة، وهي أدوية المناعة والمتابعة المستمرة.
فالعملية قد تنجح، لكن الإنسان يظل بحاجة إلى علاج ومتابعة دقيقة، ويعيش فترة طويلة وهو يعرف أن هناك احتمالًا لرفض الجسم للقلب.
وكانت الأدوية نفسها لها آثار جانبية قاسية، وكانت تسبب لي توترًا وإرهاقًا نفسيًا وجسديًا شديدًا.
لذلك أدركت أن نجاح العملية لا يعني أن الرحلة انتهت، وإنما يعني أن فصلًا جديدًا من الرحلة قد بدأ.
حتى الجانب النفسي كان مهمًا جدًا. فالإنسان يحتاج إلى وقت حتى يستوعب أنه أصبح يعيش بقلب جديد، وأن أهم عضو في جسده، أو كما أحب أن أسميه “دينامو الإنسان”، قد تغير.
في الفترة الأولى كنت أعاني من كوابيس أثناء النوم، وكان هذا الشعور يأخذ جزءًا كبيرًا من فرحتي بالقلب الجديد.
لذلك عندما يسألني أحد: ماذا شعرت عندما أصبح قلب إنسان آخر سببًا في استمرار حياتك؟
أقول له: شعرت بالامتنان، والفرح، والمسؤولية، والخوف في الوقت نفسه.
وأصبحت أشعر أن هذا القلب ليس مجرد عضو أعيش به، وإنما أمانة من الله، وفرصة جديدة للحياة.
⸻
ما أول إحساس شعرت به عندما أدركت أن قلبًا جديدًا ينبض داخل صدرك؟
أول إحساس أتذكره جيدًا أنني كنت أضع يدي على صدري، وأحاول أن أتحسس وأستمع إلى ضربات قلبي.
كنت أريد أن أتأكد بنفسي أن هناك قلبًا ينبض بداخلي.
كنت أيضًا أستنشق نفسًا عميقًا، وأنتظر أن أرى هل أستطيع التنفس بعمق من دون الألم الذي كنت أعرفه قبل العملية.
كانت لحظة غريبة جدًا بالنسبة لي.
أن أضع يدي على صدري وأقول لنفسي:
هذا القلب الذي ينبض الآن هو قلب جديد، وهو الذي سيمنحني فرصة أخرى للحياة.
في تلك اللحظة لم أفكر فقط في العملية، وإنما فكرت في معنى الحياة نفسها، وفي الإنسان الذي أصبح قلبه سببًا في استمرار حياتي.
⸻
هل تغيرت شخصيتك أو نظرتك للحياة بعد العملية؟
مشاعري تجاه زوجتي وأولادي وأسرتي وأصدقائي لم تتغير، بل ربما أصبحت أكثر تقديرًا لهم، لأن الإنسان عندما يمر بتجربة مثل التي مررت بها يعرف قيمة الأشخاص الذين وقفوا معه.
لكن شخصيتي وسلوكي تغيرا كثيرًا، خصوصًا خلال الأشهر الستة الأولى بعد العملية.
كنت معزولًا عن الناس تقريبًا، خوفًا من الإصابة بأي مرض، لأن جسمي كان في مرحلة حساسة جدًا، وكان عليّ أن أحافظ على القلب الجديد بكل ما أستطيع.
وكان عليّ أن ألتزم بتعليمات الأطباء بدقة، وأبتعد عن الأماكن العامة والأماكن التي يمكن أن تعرضني للعدوى.
كما أن أدوية تثبيط المناعة وبعض الأدوية الأخرى أثرت كثيرًا على حالتي النفسية والعصبية، وكنت في أوقات كثيرة شديد العصبية والتوتر.
لذلك كان ذلك الشعور الذي تحدثت عنه سابقًا، خليطًا من الفرح والخوف، موجودًا مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان الفرح لأنني حصلت على فرصة جديدة للحياة، والخوف كان من أن أفقد هذه الفرصة.
ومع مرور الوقت بدأت أتعلم كيف أعيش مع القلب الجديد، وكيف أحافظ عليه، وكيف ألتزم بتعليمات الأطباء، وفي الوقت نفسه أستعيد حياتي بصورة طبيعية.
وأعتقد أن أهم شيء تغير في نظرتي للحياة هو أنني أصبحت أعرف أن كل يوم أعيشه هو نعمة، وليس شيئًا مضمونًا.
⸻
هل شعرت في لحظة أنك عبء على أسرتك؟ وهل هناك شخص خذلك في رحلة مرضك ولن تنسى موقفه؟
الحمد لله، طوال فترة مرضي لم أشعر في أي لحظة أنني كنت عبئًا على أسرتي، رغم طول فترة المرض وصعوبة الظروف.
بالعكس، كنت محاطًا بالحب والحنان والرعاية الكاملة، وكانت زوجتي وأبنائي، رغم صغر سنهم في ذلك الوقت، جزءًا أساسيًا من قوتي وصبري.
أما عن الخذلان، فأنا أستطيع أن أقول بكل صدق: لم أشعر أن أحدًا خذلني في رحلة مرضي.
والحمد لله لم أحمل في قلبي موقفًا سيئًا من شخص أقول إنني لن أنساه.
على العكس، هذه الرحلة جعلتني أكتشف كم من الناس يمكن أن يقفوا إلى جانبك عندما تمر بأصعب لحظات حياتك.
وأحيانًا الإنسان في المرض لا يحتاج إلى أشياء كثيرة؛ يحتاج إلى من يشعره بأنه محبوب، وأنه ليس وحده، وأن هناك من يقف بجانبه مهما كانت الظروف.
وأنا كنت محظوظًا جدًا بهذه النعمة.
⸻
هل بكيت في الخفاء حتى لا يراك أحد؟
نعم، بكيت كثيرًا في الخفاء، لكن الغريب أن المرض نفسه لم يكن أكثر ما يبكيني.
الذي أبكاني كثيرًا كانت الغربة.
أن تكون في أمريكا، بعيدًا عن أهلك، وتتحمل مسؤولية أسرة، وفي الوقت نفسه أنت في أمسّ الحاجة إلى وجود الأب والأم والإخوة بجانبك، ثم تتذكر أن بينهم وبينك محيطات وبلادًا.
كنت أحتاج في تلك اللحظات إلى حضن أمي وأبي، وإلى وجود إخوتي حولي، لكنني كنت بعيدًا عنهم، وكان عليّ أن أتحمل كل شيء وأبدو قويًا.
لذلك كنت أخفي دموعي.
لم أكن أريد أن ترى زوجتي خوفي أو ضعفي، لأنني كنت أعرف أنها تحمل خوفها أيضًا، وكنت أخشى أن تنهار إذا رأتني منهارًا.
كنت دائمًا أتظاهر بالقوة والمرح، وأحاول أن أزيح عنها الخوف وأعطيها الطمأنينة، بينما في داخلي كانت هناك مشاعر كثيرة لا يعرفها أحد.
⸻
من الشخص الذي خفت أن تفقده أكثر من خوفك على نفسك؟
أكثر شخص كنت أخاف عليه هو والدتي.
كنت أشعر أن قلب الأم يحس بأبنائها، حتى لو كانت المسافات بيننا كبيرة.
وكانت أمي في السودان، بعيدة عني، ولا تستطيع أن تقدم لي شيئًا بيديها، وكل ما تستطيع أن تقدمه لي هو الدعاء والانتظار.
وكنت أعرف أنها تنتظر مني دائمًا أن أقول لها: أنا بخير، وأنا في أحسن حال.
وأنا كنت أحاول أن أطمئنها وأقول لها إنني بخير، لكن أحيانًا، بمجرد أن أنتهي من مكالمتها، كانت تنزل دموعي.
كانت الدموع تحمل كل المشاعر التي كنت أخفيها عنها: الخوف، والألم، والاشتياق، والغربة.
لم أكن أخاف فقط من أن أفقد حياتي، كنت أخاف أيضًا أن تفقد أمي ابنها، وأن يصل إليها الخبر الذي لا تستطيع أي أم أن تتحمله.
ولهذا كنت أحاول أن أكون قويًا أمامها، حتى لو كنت في الحقيقة أحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى.
⸻
ما هي الرسالة التي تتمنى أن يسمعها كل مريض سوداني فقد الأمل؟
رسالتي لكل مريض فقد الأمل هي: لا تفقد يقينك بالله.
الأعمار بيد الله، والأسباب تتعدد، لكن لكل إنسان أجلًا كتبه الله له، سواء جاء الموت بمرض أو بغير مرض.
أنا لا أقول للمريض: لا تخاف، ولا أقول له إن الطريق سيكون سهلًا.
أنا عشت الخوف والألم والانتظار، وعشت لحظات شعرت فيها أن الطريق شبه مستحيل.
لكنني أقول له: خذ بالأسباب، ابحث عن العلاج، استشر الأطباء، ولا تستسلم لليأس، واترك النتيجة لله.
فأنا شخصيًا بدأت رحلتي من تشخيص خاطئ، ثم وصلت إلى مرحلة قيل لي فيها إن قلبي ضعيف جدًا، وإن الحل قد يكون زراعة قلب، وهو أمر كنت أراه وقتها أكبر من الخيال.
لذلك لا تجعل صعوبة اللحظة تجعلك تحكم على نهاية القصة.
قد لا تعرف ماذا يخبئ الله لك في الصفحة القادمة.
⸻
هل تعتبر نفسك مجرد ناجٍ من المرض، أم شاهدًا على أن المستحيل أحيانًا يصبح ممكنًا؟
أنا حتى اليوم لا أعتبر نفسي مجرد ناجٍ من المرض، لأن رحلة العلاج بالنسبة لي لم تنتهِ بمجرد إجراء عملية زراعة القلب.
أنا ما زلت مرتبطًا بروتين علاجي، وما زلت أتعامل مع أدوية ومتابعات وفحوصات دورية، وأحافظ على نظام غذائي معين، وأحرص على تجنب الأماكن التي قد تعرضني للعدوى، وأجري فحوصاتي بصورة منتظمة.
لكنني في الوقت نفسه أعتبر نفسي شاهد عيان على رحلة مرضية طويلة.
رحلة لم تكن سهلة، وكانت مليئة بالخوف والألم والانتظار، لكنها كانت أيضًا مليئة بالإيمان واليقين والصبر والتفاؤل.
وأعتقد أن قصتي ليست قصة قلب تمت زراعته فقط، وإنما قصة إنسان تعلم أن يأخذ بالأسباب، ويصبر، ويتمسك بالله، ولا يحكم على المستقبل من خلال صعوبة اللحظة.
قبل سنوات، كنت أقف أمام فكرة زراعة القلب وأقول: كيف يمكن أن يحدث هذا أصلًا؟
كان الأمر بالنسبة لي أكبر من الخيال.
واليوم، عندما أضع يدي على صدري وأشعر بهذا القلب ينبض، أتذكر أن الإنسان أحيانًا يرى الطريق مستحيلًا، بينما الله سبحانه وتعالى يفتح له طريقًا لم يكن يتخيله.
لذلك إذا أردت أن أختصر رحلتي كلها في كلمات قليلة فسأقول:
لا تيأس من رحمة الله، خذ بالأسباب، اصبر، وأحسن الظن بالله… لأن ما تراه أنت مستحيلًا، قد يكون عند الله بداية جديدة لحياة لم تكن تتخيلها.
⸻
أنت اليوم تحمل قلبًا لم يكن لك منذ البداية… فلو أعطيت دقيقة واحدة لتتحدث إلى القلب القديم الذي عانى معك، والقلب الجديد الذي أُعطي للحياة، ماذا ستقول لكل واحد منهما؟
لو أُعطيت دقيقة واحدة لأتحدث إلى قلبي القديم، فسأقول له:
يا قلبي… أنت تعبت معي كثيرًا.
حملتني في كل مراحل حياتي، وعشت معي أفراحي وأحزاني، وتحملت معي المرض والخوف والعمليات والسفر والغربة والانتظار، حتى وصلت بي إلى اللحظة التي لم يعد بإمكانك فيها أن تكمل الطريق.
لن أنساك، لأنك كنت جزءًا من كل حياتي.
ثم ألتفت إلى قلبي الجديد وأقول له:
وأنت يا قلبي الذي جئتني من إنسان لا أعرفه، ولا أعرف اسمه ولا قصته… أنت لم تأتِ إليّ فقط، بل جئت ومعك فرصة جديدة للحياة.
أحمل لك امتنانًا كبيرًا، لأن وراء نبضك إنسانًا رحل، وبفضل الله أصبح قلبه سببًا في استمراري.
وأعدك أن أحافظ عليك ما استطعت، وأن أعيش الحياة التي مُنحت لي بما يرضي الله، وأن أجعل لكل يوم أعيشه قيمة.
لكن هناك شيئًا واحدًا أعتقد أن قلبي القديم وقلبي الجديد اتفقا عليه…
كلاهما أحب زوجتي خلود.
القديم عاش معها سنوات عمري الأولى، والجديد جاء ليكمل معها بقية الطريق.
ولذلك أقول لقلبي القديم:
شكرًا لأنك حملتني حتى النهاية.
وأقول لقلبي الجديد:
شكرًا لأنك أكملت معي الطريق.
وأقول لله سبحانه وتعالى:
الحمد لله الذي كتب لي هذه الحياة، وعلّمني من خلالها أن الإنسان قد يظن أن الطريق انتهى، بينما الله سبحانه وتعالى يكون قد أعد له بداية جديدة.
واليوم، كلما سمعت نبض قلبي، أتذكر أنني لم أحصل على قلب جديد فقط…
بل حصلت على فرصة جديدة للحياة… وفرصة جديدة لأحب، وأعطي، وأخدم، وأحمد الله على كل نبضة….
حوار….الدبلوماسي








