رأي

بشارة جمعة أرو.. يكتب : بيان بشأن اللجنة التيسيرية للحوار السوداني–السوداني

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بيان بشأن اللجنة التيسيرية للحوار السوداني–السوداني

 

” من حق الجميع أن يبادروا…، فالمبادرة حق، أما التفويض فاستحقاق له مصدره ومرجعيته ولا يُمنح ذاتياً ولا يُؤخذ أو يُكتسب بمجرد المبادرة ”

 

تابعنا باهتمام ما أُعلن عن تشكيل ما سُمي بـاللجنة التيسيرية للحوار السوداني–السوداني، وما ورد في بيانها وتصريحاتها من أنها تشكلت بمبادرة ذاتية وأنها أخذت على عاتقها مهمة تهيئة المناخ وتيسير المشاورات وصولاً إلى حوار سوداني–سوداني شامل.

 

ونؤكد إبتداءاً أن الحوار السوداني–السوداني ضرورة وطنية ملحة ونرحب بكل جهد صادق ومسؤول يسعى إلى جمع السودانيين وتقريب وجهات النظر وتخفيف الخصومة والاستقطاب وإنهاء الانقسام وتهيئة الطريق أمام التوافق الوطني وصولاً إلى تجاوز الأزمة وآثارها التي أرهقت البلاد والعباد.

 

لكن الترحيب بالحوار لا يعني تجاوز الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها أي مسار وطني جامع فحسن النوايا على أهميته لا ينشئ وحده صفة مؤسسية ولا تفويضاً وطنياً. ومثل هذه المسارات تحتاج قبل كل شيء إلى وضوح في الفكرة والمرجعية والتفويض والتمثيل والاختصاص والمنهج.

 

فالفكرة شيء والمبادرة شيء آخر والمبادرة لا تُنشئ تفويضاً ولا تمنح ذاتها صفةَ التيسير أو الإشراف فلكل صفة مصدرها ولكل اختصاص سنده وحدوده.

 

ومن حق أي سوداني أو مجموعة سودانية أن تبادر إلى الدعوة للحوار واقتراحه دون أن يعني ذلك أنها أصبحت ممثلة لكل السودانيين أو مفوضة بالحديث نيابة عنهم. فالمبادرة الذاتية مشروعة أما التفويض الذاتي فمحل سؤال.

 

أما إذا انتقلت المبادرة إلى إنشاء لجنة تتولى التهيئة أو التيسير فقد انتقلنا من مجال المبادرة الحرة إلى مجال العمل المؤسسي وهنا لا بد من معرفة الجهة التي أنشأتها وفوّضتها ومرجعيتها وحدود اختصاصها ومن تمثل والآليات التي تُراجع بها أداءها وتُقيم أعمالها.

 

وللعلم، فإن اللجنة نفسها استخدمت في خلفية المؤتمر الصحفي أكثر من تسمية؛ فتارةً أُطلق عليها اسم ” لجنة تهيئة الحوار” وتارةً قُدمت بوصفها ” لجنة تسيير الحوار ” وهذا التباين في التسمية ليس مسألة شكلية، إذ إن اختلاف الوصف قد يترتب عليه اختلاف في طبيعة المهمة وحدود الاختصاص والدور المنوط باللجنة.

ومن ثمّ، فإن من المشروع التساؤل: ما الصفة التي أُنشئت اللجنة على أساسها تحديداً ؟ وهل هي لجنة لتهيئة الحوار والإعداد له أم لجنة لتسييره وإدارة مساره؟ وما المرجعية التي تحدد لها هذا الدور وتضبط حدوده؟

 

فصفة “التيسير” ليست مجرد تسمية؛ إذ يفترض التيسير وجود مسار وأطراف معنية به وجهة أو إطاراً يمنح الميسّر مهمة محددة وكذلك ” التمهيد” أو “التحضير” لا بد أن تكون مهمتها محددة وغايتها معلومة ومدتها واختصاصها واضحين أما احتمال تحولها مستقبلاً إلى “لجنة إشرافية” فيستحق التحسب، لأن سوابق السودان تجعل التوصيف قابلاً لأن يتحول مع الوقت إلى اختصاص ويتسع الدور بالممارسة من التيسير والتمهيد إلى الإشراف والتوجيه.

 

وعليه، فالعبرة ليست بالاسم وإنما بالدور الفعلي والاختصاص الذي تمارسه اللجنة.

 

ونحن لا نرفض المبادرة ولا نصادر حق أحد في الدعوة إلى الحوار وإنما نميز بين حق المبادرة واكتساب التفويض والصفة المؤسسية فإذا كانت مجموعة من الشخصيات قد بادرت بالدعوة إلى الحوار فهذا حق أصيل. أما إذا شكلت نفسها باعتبارها “اللجنة التيسيرية للحوار السوداني–السوداني” وأصبحت تتحدث باسم مسار وطني شامل وتتولى تهيئته وتيسيره فلابد أن يكون الأساس الذي منحها هذه الصفة والاختصاص واضحاً ومعلناً.

 

فليس من المنطقي أن تكون المبادرة الذاتية في الوقت نفسه مصدر الفكرة والتأسيس والتفويض والتمثيل وتحديد الاختصاص إذ يستطيع صاحب المبادرة أن يقترح لكنه لا يستطيع بمجرد اقتراحه أن يمنح نفسه تفويضاً عن الآخرين.

 

وتزداد أهمية ذلك في ضوء ما أُعلن عن المشاورات التي أجراها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والشخصيات الوطنية وما أُعلن عن الاتجاه إلى تشكيل لجنة وطنية لإدارة الحوار.

 

وهنا تبرز أسئلة مشروعة للرأي العام والقوى السياسية والمدنية والمجتمعية والشخصيات الوطنية:

إلى أين انتهت تلك المشاورات، وما الذي خلصت إليه، وأين قرار أو مرجعية تشكيل اللجنة الوطنية التي أُعلن عن الاتجاه إلى تكوينها؟

وإذا كانت اللجنة التيسيرية الحالية هي المقصودة بذلك المسار فليُعلن ذلك صراحة حتى لا يظل الرأي العام أمام مسارين متداخلين: مسار أُعلن عنه من قيادة الدولة ومبادرة تقول إنها نشأت ذاتياً.

أما بقاء العلاقة بينهما وبين الحكومة وقيادة الدولة في دائرة الغموض فلا يخدم الحوار بل يضيف إليه سؤالاً قبل أن يبدأ.

 

وفي المقابل، فإن استقلال اللجنة أو الحوار عن الدولة لا يتعارض مع وجود مرجعية تأسيسية واضحة فالاستقلال عن التأثير السياسي شيء وغياب المرجعية والتفويض شيء آخر فالمرجعية تحدد الإطار والمشروعية والتفويض يحدد الصفة والاختصاص والاستقلال يحمي العملية من التدخل والهيمنة.

كما أن مسؤولية الدولة عن توفير الضمانات والتسهيلات والمطلوبات اللازمة لإنجاح الحوار لا تمنحها حق امتلاك العملية أو التحكم في أجندتها ومخرجاتها بل تظل ملكية الحوار وقراره وإرادته ومخرجاته للسودانيين أصحاب المصلحة فيه.

 

والأصل أن تبدأ العملية بلقاء أو إطار تأسيسي جامع يضم أصحاب المصلحة يجري فيه التوافق على المرجعية والمبادئ والأهداف ومعايير التمثيل ثم اختيار أو تكليف اللجنة التي تتولى التمهيد أو التيسير أو الإشراف عند الحاجة مع تحديد صلاحياتها ومدتها وآليات مراجعة عملها.

 

وبذلك تكون اللجنة نتيجة لتوافق أوسع لا نقطة بداية يُطلب من الآخرين لاحقاً إضفاء التوافق عليها.

فالحوار يحتاج إلى منهج، والتهيئة تحتاج إلى منهج، والجهة التي تتولى التهيئة تحتاج إلى مرجعية وتفويض واضحين.

 

إن قضيتنا، إذن، ليست قضية أسماء أو عضوية لجنة وإنما قضية منهج ومرجعية وتفويض وتمثيل وشفافية ولا نريد لجنة تمثل نفسها أو مجموعة بعينها أو تُفرض باعتبارها أمراً واقعاً وإنما لجنة تستمد شرعيتها من توافق واسع وتعمل بتفويض واضح ومعايير معلنة ومهمة محددة وعضوية تعكس التنوع السياسي والمجتمعي والجغرافي للسودان.

 

ولا نعني بالتوافق إجماعاً يستحيل تحقيقه وإنما توافقاً واسعاً على المرجعية والقواعد والمعايير يضمن قبول اللجنة باعتبارها أداة لخدمة الحوار لا طرفاً جديداً في الصراع.

 

إن السودان لا يحتمل المزيد من التجارب غير المكتملة ولا إعادة إنتاج أزماته بالأدوات ذاتها التي ساهمت في صناعتها فقد قاد غياب الوضوح والشفافية وتجاوز المؤسسات والمرجعيات في مراحل كثيرة إلى أزمات ما زلنا ندفع ثمنها.

 

ولهذا نقول بوضوح:

 

لا نريد أن يبدأ الحوار بخلاف حول اللجنة التي تيسره ولا أن تبدأ التهيئة بإشكال حول الجهة التي تتولاها ولا أن يبدأ التوافق الوطني بإجراء يفتقر إلى التوافق حول شرعيته ومرجعيته.

 

إذا أردنا حواراً سودانياً حقيقياً، فعلينا أن نؤسسه تأسيساً سودانياً حقيقياً.

 

فالمبادرة حق يُمارس والتوافق بناء يجب يُنجز بالحكمة والتفويض عهد يُمنح ولا يُؤخذ والصفة المؤسسية تُكتسب بالمرجعية لا بالإعلان واللجنة تُكلَّف ولا تفرض نفسها.

 

أما الحوار السوداني الجامع حين ينتقل من مجرد مبادرة إلى مسار وطني مؤسسي فينبغي أن يُؤسس في إطار مسؤولية الدولة عن تهيئة البيئة والضمانات اللازمة وبالتوافق والشراكة مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والشخصيات الوطنية وأصحاب المصلحة وعلى أساس مرجعية واضحة وتفويض معلوم وتمثيل متوازن وقواعد متوافق عليها.

 

فإذا أردنا حواراً يُفضي إلى التوافق فعلينا أن نؤسسه بالتوافق وإذا أردنا مساراً يحظى بالثقة والمصداقية فعلينا أن نبنيه على الوضوح والشفافية والشراكة.

 

فالحوار الناجح لا يبدأ بمن يتصدر المشهد وإنما بكيفية تأسيسه ولا تُصنع شرعيته بالأسماء وإنما بالمرجعية والتفويض والتوافق.

 

وذلك هو الطريق الأكثر اتساقاً مع المسؤولية الوطنية والأقدر على إنتاج حوار سوداني جاد وشامل وذي مصداقية يحفظ للدولة مسؤوليتها وللأطراف حقها في المشاركة وللتوافق مكانته ويضع كل أمر في موضعه وكل اختصاص في حدوده ويمضي بالسودان من أزمته ومخاطرها المحدقة إلى التوافق ومن التوافق إلى تأسيس الدولة السودانية التي ننشدها جميعاً.

 

بشارة جمعة أرور

1 سبتمبر 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى