بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : على خُطى الجامعة الوطنية: قرار تاريخي باعتماد لائحة التعليم الإلكتروني في السودان

أصدر رئيس المجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي القرار رقم (138) لسنة 2026م، القاضي بإجازة لائحة التعليم الإلكتروني والتعليم المدمج لسنة 2026م. وقد وُقِّع القرار بتاريخ 12 سبتمبر 2026م، ونص على أن يبدأ العمل به من تاريخ التوقيع عليه. وبذلك أصبحت اللائحة نافذة اعتباراً من ذلك التاريخ، وأصبح التعليم الإلكتروني والتعليم المدمج قائماً على أساس قانوني وتنظيمي معتمد في مؤسسات التعليم العالي السودانية.
ويتمثل جوهر القرار في وضع إطار رسمي ينظم استخدام التقنيات الحديثة في تقديم البرامج والمقررات الجامعية. فالتعليم الإلكتروني يعتمد على المنصات والوسائط الرقمية في تقديم المحاضرات والمحتوى العلمي والتواصل والتقويم، سواء بصورة مباشرة ومتزامنة، أو بطريقة غير متزامنة تتيح للطالب الوصول إلى المواد في الوقت المناسب له. أما التعليم المدمج، فيجمع بين الحضور إلى القاعات والمعامل والاستفادة من التعليم الإلكتروني، وفق طبيعة البرنامج والمقرر ومتطلبات الجودة.
وتكمن الأهمية الحقيقية للقرار في أنه لا يتعامل مع التعليم الإلكتروني بوصفه حلاً مؤقتاً لمواجهة الحرب أو إغلاق الجامعات، وإنما يعترف به جزءاً أصيلاً من نظام التعليم العالي. وهذا تحول مهم؛ لأن التعليم الجامعي لم يعد مقيداً بنموذج واحد يشترط اجتماع الأستاذ والطلاب داخل قاعة محددة وفي وقت محدد. فقد أصبحت المعرفة متاحة من خلال المنصات الرقمية والمكتبات الإلكترونية والفصول الافتراضية، كما أصبح من الممكن الاستفادة من الأساتذة والخبراء داخل السودان وخارجه، والوصول إلى الطلاب أينما كانوا.
ومن هذه الزاوية، يمكن وصف القرار بأنه قرار تاريخي في مسيرة التعليم العالي السوداني. فهو ينقل التعليم الإلكتروني من مرحلة الضرورة والاجتهاد إلى مرحلة الاعتراف والتنظيم، ومن الاستخدام المتفرق للتطبيقات الإلكترونية إلى بناء نظام تعليمي تحكمه قواعد ومعايير واضحة. كما أنه ينسجم مع التحول التقني الذي يشهده العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والمكتبات الرقمية، والمنصات التعليمية، وإدارة المحتوى والامتحانات إلكترونياً.
ولا يعني صدور هذا القرار أن تجربة التعليم الإلكتروني في السودان بدأت من الصفر؛ فقد سبقته مبادرات مهمة قادتها بعض الجامعات. وكانت الجامعة الوطنية – السودان من المؤسسات الرائدة في هذا المجال، إذ شاركت بفاعلية وقدّمت أوراقاً علمية في عدة دورات من مؤتمر التعليم الإلكتروني في أفريقيا (eLearning Africa)، التي عُقدت في ويندهوك (2013م)، وكمبالا (2014م)، وأديس أبابا (2015م)، والقاهرة (2016م)، وبورت لويس (2017م)، وكيغالي (2018م)، وأبيدجان (2019م).
واستناداً إلى ما اكتسبته من معرفة وخبرات، تبنت الجامعة نظم التعليم الإلكتروني منذ عام 2017م، وأنشأت منصة تعليمية، وطورت الوسائل اللازمة لتقديم المحاضرات، وإتاحة المحتوى العلمي، والتواصل مع الطلاب، ومتابعة العملية التعليمية عن بُعد.
وقد أثبت هذا التوجه المبكر أهميته في السنوات اللاحقة. فمنذ الاضطرابات السياسية التي بدأت عام 2018م، مروراً بالأحداث التي أعقبت التغيير السياسي في عام 2019م، ثم إغلاق الجامعات خلال جائحة كورونا، وصولاً إلى الحرب التي أشعلتها المليشيا في أبريل 2023م، استطاعت الجامعة الوطنية الاستفادة من بنيتها الإلكترونية، المتمثلة في المنصة التعليمية والمكتبة الرقمية وربط الطلاب بنظام البريد الإلكتروني، لمواصلة عملها وعدم وقف الدراسة.
وقد مكّن ذلك الطلاب من متابعة برامجهم، وساعد الأساتذة والإدارات على الاستمرار في أداء مهامهم رغم تعذر الحضور المنتظم إلى مقار الجامعة في بعض الفترات. كما استعانت الجامعة، في بناء قدراتها وتطوير تجربتها في التعليم الإلكتروني، بخبراء من ألمانيا وبريطانيا والهند، إلى جانب خبرات من بنك التنمية الأفريقي، مما أسهم في تعزيز بنيتها التقنية وتطوير قدرات العاملين فيها.
ولم يكن هذا الطريق سهلاً؛ فقد تعرضت الجامعة الوطنية، وهي تتبنى التعليم الإلكتروني، لكثير من المضايقات والانتقادات، بل والسخرية من بعض الذين لم يدركوا في ذلك الوقت أهمية التحول الرقمي ومستقبل التعليم. غير أن الجامعة مضت في مشروعها بثبات، وأثبتت الأزمات المتعاقبة سلامة رؤيتها وبعد نظرها، حتى أصبح ما كان موضعاً للسخرية بالأمس توجهاً قومياً معتمداً بموجب هذا القرار التاريخي.
وتقدم تجربة الجامعة الوطنية دليلاً عملياً على أن الاستثمار في التعليم الإلكتروني ليس ترفاً تقنياً، وإنما هو استثمار في استمرارية المؤسسة وقدرتها على الصمود أمام الأزمات. فالجامعة التي تمتلك منصة فعالة، ومكتبة رقمية، وكوادر مدربة، ومحتوى تعليمياً منظماً، تستطيع الانتقال بصورة أسرع من التعليم الحضوري إلى التعليم الإلكتروني أو المدمج عندما تفرض الظروف ذلك. أما المؤسسة التي تنتظر وقوع الأزمة قبل أن تبدأ بناء نظامها الإلكتروني، فإنها تواجه صعوبات أكبر، وقد تضطر إلى وقف الدراسة لفترات طويلة.
ومن هنا تأتي أهمية القرار رقم (138)، لأنه يحول مثل هذه التجارب الرائدة من مبادرات تقوم بها بعض الجامعات إلى توجه قومي منظم يمكن أن تستفيد منه مؤسسات التعليم العالي كافة. كما يتيح فرصة للاستفادة من خبرات الجامعات التي سبقت في هذا المجال، ومن بينها الجامعة الوطنية، عند وضع الأدلة التنفيذية، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، وتصميم المنصات والمقررات الرقمية.
وتتضاعف أهمية القرار في الظروف السودانية الراهنة. فقد أدت حرب عام 2023م إلى نزوح أعداد كبيرة من الطلاب والأساتذة داخل السودان وخارجه، وتضررت مبانٍ جامعية ومعامل ومكتبات، وتعذر على كثير من الطلاب الوصول المنتظم إلى مؤسساتهم. وقد ساعد التعليم الإلكتروني خلال هذه الفترة على استمرار الدراسة في عدد من الجامعات، لكنه ظل يواجه أسئلة تتعلق بالاعتراف واللوائح والامتحانات وضمان الجودة. ويأتي القرار الجديد ليمنح الجامعات أساساً نظامياً يمكنها البناء عليه، بدلاً من الاعتماد على ترتيبات مؤقتة تختلف من مؤسسة إلى أخرى.
ويفتح القرار كذلك فرصاً أوسع أمام السودانيين المقيمين خارج البلاد، والعاملين الذين لا تسمح ظروفهم بالحضور اليومي، وسكان المناطق البعيدة، والأشخاص الذين تعوقهم ظروف صحية أو اجتماعية عن الانتظام الكامل في القاعات. ويمكن أن يساعد أيضاً على توسيع البرامج الجامعية السودانية، واستقطاب طلاب من دول أخرى، والاستفادة من الأساتذة السودانيين المنتشرين في أنحاء العالم، شريطة المحافظة على الجودة والاعتراف الأكاديمي.
غير أن إصدار اللائحة، على أهميته، يمثل بداية الطريق وليس نهايته. فنجاح التعليم الإلكتروني يحتاج إلى بنية تقنية مناسبة، وكهرباء واتصالات مستقرة، ومنصات موثوقة، ومكتبات رقمية، وحماية لبيانات الطلاب، ونظم دقيقة للتحقق من الهوية ومنع الغش والانتحال. كما يحتاج إلى تدريب أعضاء هيئة التدريس والطلاب والعاملين، وإلى تحويل المقررات إلى محتوى رقمي مصمم للتعلم الإلكتروني، لا مجرد نقل المحاضرة التقليدية من القاعة إلى شاشة الهاتف أو الحاسوب.
ويجب كذلك مراعاة الفجوة الرقمية بين الطلاب. فليس جميع الطلاب قادرين على شراء الأجهزة أو تحمل تكلفة الإنترنت، كما أن جودة الاتصال تختلف بين المدن والولايات ومناطق النزوح. ولذلك ينبغي أن تصاحب تنفيذ القرار سياسات لدعم الطلاب، وتوفير خدمات إنترنت تعليمية منخفضة التكلفة، وإنشاء مراكز رقمية في الجامعات والولايات، وإتاحة المواد بصورة يمكن تنزيلها ودراستها من دون اتصال دائم بالشبكة.
ولا ينبغي أن يُفهم القرار على أنه دعوة إلى إلغاء التعليم الحضوري. فالتخصصات الطبية والهندسية والعلمية وغيرها تحتاج إلى المعامل والتدريب السريري والعمل الميداني. ولهذا يمثل التعليم المدمج الخيار الأكثر واقعية في كثير من البرامج، إذ يجمع بين مرونة التقنية وأهمية اللقاء المباشر والتطبيق العملي.
إن القرار رقم (138)، الموقَّع في 12 سبتمبر 2026م والنافذ من تاريخ توقيعه، خطوة مهمة وشجاعة جاءت منسجمة مع تطور التعليم في العالم ومع احتياجات السودان في مرحلة الحرب وما بعدها. وإذا أُحسن تنفيذه، ووُفرت له البنية الأساسية والتدريب وضمان الجودة، فإنه يمكن أن يكون نقطة تحول حقيقية في تاريخ التعليم العالي السوداني، وأن ينقل الجامعات من مجرد معالجة آثار الأزمات إلى بناء نظام تعليمي حديث ومرن، قادر على الوصول إلى الطالب داخل السودان وخارجه، ومواكبة عالم أصبحت فيه التقنية جزءاً لا يتجزأ من التعليم والمعرفة والعمل.
وف الختام أُهدي هذا المقال إلى أسرة الجامعة الوطنية – السودان، قيادةً وأساتذةً وطلاباً وعاملين، تقديراً لما قدموه من مبادرات رائدة وجهود متواصلة في التحديث والتطوير، حتى تُوِّج هذا المسار بصدور هذا القرار التاريخي.
بروفيسور بكري موسي عبدالكريم







