موسى داؤد يكتب :حكومة الأمل… حين يُستدعى الوطن للزينة ويُغفل عند القرار

ما أتعس الأسماء حين تكون أوسع من أفعال أصحابها، وما أشد قسوة أن يُسمّى الشيء بما لا يجد الناس أثره في حياتهم. هكذا جاءت «حكومة الأمل» باسمٍ جميلٍ لوطنٍ أنهكته الحرب، وأثقل الفقر كاهله، وأصبح المواطن فيه يبحث عن أبسط حقوق الحياة كما يبحث الغريق عن شاطئٍ لا يغرق.
لكن الأمل ليس اسمًا تُطلقه حكومة على نفسها؛ الأمل أن يرى المواطن نفسه في دولته، وأن يشعر أن وطنه يتسع له، وأن يجد في السلطة عدلًا لا محاصصة، وفي المسؤولية كفاءةً لا ضجيجًا، وفي الدولة قلبًا لا ينسى بعض أبنائه حين تُصنع القرارات.
ومنذ تشكيلها الأول، برزت مفارقةٌ لا يمكن تجاوزها بسهولة؛ فقد أغفلت هذه الحكومة، بحسب هذا الطرح، واحدًا من أكبر المكوّنات الأهلية والاجتماعية في السودان، ولم تمنحه مشاركةً في تشكيلتها، رغم امتداده التاريخي والاجتماعي، ورغم ما يتمتع به من بنيةٍ أهلية راسخة، تتدرج فيها الزعامات من المقدومية والدمنقاوية والشراتي، وتمتد صلاتها الاجتماعية إلى مناطق وولايات عديدة داخل السودان وخارجه.
وليس الأمر، في جوهره، بحثًا عن مقعدٍ في حكومة أو مطالبةً بنصيبٍ من سلطة؛ فالقضية أكبر من كرسي، وأبقى من منصب. القضية هي الاعتراف بأن السودان ليس مكوّنًا واحدًا، وأن الدولة التي تريد أن تتحدث باسم الوطن كله ينبغي أن ترى الوطن كله.
والأغرب من الغياب أن الدولة نفسها لم تستطع تجاوز رموز هذا المكوّن حين احتاجت إليهم في المشهد العام؛ فحين تأتي المناسبات والاحتفالات، وحين تريد السلطة أن تُظهر أمام الناس صورةً جامعةً للسودان، تُفتح الأبواب للزعامات الأهلية، ويُدعى المقدوم والدمنقاوي والشرتاي، ويجلس هؤلاء في صدر المشهد باعتبارهم رموزًا أصيلة من رموز المجتمع السوداني.
وهنا يحق لنا أن نسأل، لا بقسوة الخصومة، وإنما بمرارة السؤال: إذا كان هؤلاء جزءًا أصيلًا من صورة السودان حين تُلتقط الصورة، فلماذا لا يكونون جزءًا من صناعة القرار حين تُصنع القرارات؟
كيف يُطلب من مكوّنٍ أن يكون حاضرًا ليُجمّل المشهد الوطني، ثم يُطلب منه أن يقبل الغياب عندما يتعلق الأمر بالمشاركة الوطنية؟
إن الزعامة الأهلية ليست ثوبًا يُرتدى في الاحتفالات ثم يُخلع بعد انطفاء الأضواء؛ فهي تاريخٌ اجتماعي، وامتدادٌ بشري، ومسؤوليةٌ تجاه مجتمعاتٍ تعرف أصحابها وتستمع إليهم.
ولقد كان بإمكان هذا المكوّن أن يجعل من غيابه قضيةً وصوتًا عاليًا، لكنه اختار الصبر، واختار أن يضع السودان قبل المطالبة، وأن يقدّم احترامه للقوات المسلحة، وأن يقول: دعوا الحكومة تعمل، ولتكن الأولوية أولًا لإنقاذ المواطن، وتوفير الخبز والدواء والأمن والحياة الكريمة.
وكان ذلك صبرًا من أجل الوطن، لا رضًا بالغياب.
لكن للصبر لغةً لا ينبغي أن تُساء قراءتها؛ فالصامت ليس بالضرورة راضيًا، والوفيّ ليس بالضرورة عاجزًا، ومن يؤثر الحكمة على الصدام لا يمنح أحدًا حق إلغاء وجوده.
ثم إن الحكومة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما يراه المواطن في واقعه. فإذا كان الفقير يزداد فقرًا، والأسرة تعجز عن احتياجاتها، والأسواق تثقل كاهل الناس، فإن اسم «الأمل» يصبح سؤالًا قبل أن يكون شعارًا.
فالناس لا تريد من الحكومة أن تقول لهم إن الغد أجمل؛ تريد أن ترى في حاضرها ما يجعلها تصدق ذلك.
وإذا كانت هذه الحكومة قد جاءت في ظرفٍ استثنائي، فإن الظرف الاستثنائي لا يلغي حق الناس في الدولة، ولا يجعل من الصبر تفويضًا مفتوحًا، ولا يحوّل التنازل المؤقت إلى تنازلٍ دائم.
لقد تنازلت مكوّناتٌ كثيرة عن مطالبها، وصمتت كي لا تشق الصف، وصبرت احترامًا للقوات المسلحة، وانتظرت أن تنجح حكومة الأمل في أن تمنح المواطن شيئًا من الطمأنينة والعيش الكريم. لكن حين يطول الانتظار ويضيق معاش الناس، يصبح من حق الصابرين أن يسألوا: إلى متى؟
إن السودان لا يحتاج إلى حكومةٍ تبحث عن اكتمال صورتها في الاحتفالات، بينما تظل بعض مكوّناته خارج دائرة المشاركة؛ ولا يحتاج إلى محاصصةٍ يكون فيها الأعلى صوتًا أقرب إلى السلطة، والأكثر حكمةً أبعد عنها.
السودان يحتاج إلى دولةٍ لا تستدعي زعاماته لتكتمل بها الصورة ثم تغيبهم عن صناعة المستقبل؛ دولةٍ تفهم أن المقدوم والدمنقاوي والشرتاي ليسوا زينةً للمشهد، وإنما جزءٌ من نسيج المجتمع، وأن حضورهم الحقيقي لا يكون في الصفوف الأمامية للاحتفالات وحدها، بل في الحوار الوطني وصناعة القرار وبناء السلام.
فالوطن لا يُجمّل بأبنائه في المناسبات ثم يُغفلهم عند القرار؛ الوطن يُبنى بهم ومعهم.
ولهذا فإن السؤال اليوم ليس عن اسم الحكومة، ولا عن جمال الشعار، وإنما عن جوهر الأمل نفسه: هل استطاعت هذه الحكومة أن تجعل المواطن يرى في دولته مستقبلًا يستحق الانتظار، أم أن «حكومة الأمل» أصبحت اسمًا أكبر من الأمل الذي يشعر به كثيرٌ من أبناء السودان؟
إن الأمل الحقيقي لا يحتاج إلى أن يُعلن عن نفسه؛ حين يأتي، يعرفه الناس من أثره في خبز الفقير، وأمن المواطن، وعدالة الدولة، واتساعها لكل أبنائها.








