بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب من بنما ثم غزة إلى غرينلاند: هل يعيد ترامب رسم حدود النفوذ الأمريكي؟

على شاكلة «الفتوة» في الأفلام المصرية، ذلك الشخص الذي يسعى إلى فرض كلمته على سكان الحي، يتصرف دونالد ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، كما لو أنه يريد أن يجعل الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الأعلى في كل منطقة تمتد إليها مصالحها. فهو لا يكتفي بإدارة شؤون بلاده، بل يعمل على توسيع النفوذ الأمريكي خارج حدودها التقليدية، مستخدماً مزيجاً من الضغط السياسي والاقتصادي، والتهديد العسكري، والاتفاقات الأمنية.
ولم يقتصر هذا التوجه على المواقع والموارد، بل امتد أيضاً إلى الأسماء الجغرافية؛ إذ أصدر في 20 يناير 2025 أمراً باعتماد اسم «خليج أمريكا» بدلاً من «خليج المكسيك» في الخرائط والوثائق الرسمية الأمريكية، من دون أن يصبح الاسم ملزماً للمكسيك أو كوبا أو سائر دول العالم.
وفي السياق نفسه، طالب ترامب باستعادة السيطرة الأمريكية على قناة بنما، مدعياً أن الصين أصبحت صاحبة نفوذ كبير عليها، وهو ما رفضته حكومة بنما، مؤكدة أن القناة ستظل ملكاً للشعب البنمي. وفي فنزويلا، وسّعت إدارته تدخلها السياسي والاقتصادي، وربطته بصورة متزايدة بالنفط ودور الشركات الأمريكية فيه. أما في غزة، فقد طرح فكرة تولي الولايات المتحدة مسؤولية القطاع وإعادة بنائه وتحويله إلى منطقة عمرانية وسياحية، وصفها بأنها يمكن أن تصبح «ريفييرا الشرق الأوسط»، متجاهلاً، في نظر منتقديه، حقوق السكان الفلسطينيين وحقهم في البقاء وتقرير مصيرهم. وفي مضيق هرمز، سعت واشنطن إلى فرض نفوذ عسكري واسع تحت عنوان حماية الملاحة الدولية ومنع إيران من تهديد ناقلات النفط.
وهذه التوجهات ليست منفصلة تماماً عن التاريخ الأمريكي. فقد توسعت الولايات المتحدة منذ تأسيسها عن طريق الشراء والضم والحروب والمعاهدات. اشترت لويزيانا من فرنسا عام 1803، وحصلت على فلوريدا من إسبانيا، وضمت تكساس، ثم استولت بعد حربها مع المكسيك على أراضٍ واسعة تضم اليوم كاليفورنيا ونيفادا ويوتا وأجزاء من ولايات أخرى. وفي عام 1867 اشترت ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، قبل أن تصبح ولاية أمريكية عام 1959.
أما هاواي، التي تقع فيها مدينة هونولولو، فكانت مملكة مستقلة قبل أن يطيح مستوطنون ورجال أعمال أمريكيون بملكتها عام 1893، ثم ضمتها الولايات المتحدة عام 1898. وبعد الحرب الأمريكية الإسبانية في العام نفسه، حصلت واشنطن على بورتوريكو وغوام والفلبين، كما اشترت جزر فيرجن من الدنمارك عام 1917 وبسطت سيادتها على ساموا الأمريكية وعدد من الجزر الاستراتيجية في المحيط الهادئ.
واليوم تضاف غرينلاند إلى قائمة المناطق التي يسعى ترامب إلى توسيع النفوذ الأمريكي فيها. فقد أعلن، في 18 سبتمبر 2026، أن الولايات المتحدة توصلت إلى اتفاق أمني مع الدنمارك وحكومة غرينلاند، وصفه بأنه يمنح واشنطن «سيطرة دائمة» على أمن الجزيرة واحتياجاتها الأمنية الأخرى.
وتقع غرينلاند في أقصى شمال المحيط الأطلسي، بين كندا غرباً وأيسلندا وأوروبا شرقاً، ويمتد معظمها داخل الدائرة القطبية الشمالية. وهي أكبر جزيرة في العالم، إذ تبلغ مساحتها نحو 2.16 مليون كيلومتر مربع، غير أن الجليد يغطي نحو 80 في المئة من أراضيها. ولا يزيد عدد سكانها على نحو 57 ألف نسمة، ينتمي معظمهم إلى شعب الإنويت، ويتركزون في مدن وقرى صغيرة على السواحل الخالية من الجليد. وعاصمتها نوك، وهي أكبر مدنها ومركزها السياسي والإداري. أ
وتتمتع غرينلاند بحكم ذاتي واسع، لكنها ما زالت جزءاً من مملكة الدنمارك، التي تتولى مسؤوليات أساسية في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية. ويمنح قانون الحكم الذاتي سكان الجزيرة حق اختيار الاستقلال من خلال مفاوضات واستفتاء وموافقات برلمانية. ولذلك شددت رئيسة الوزراء الدنماركية، مته فريدريكسن، على أن الاتفاق الجديد يحترم سيادة مملكة الدنمارك ووحدة أراضيها وحق شعب غرينلاند في تقرير مصيره. كما أكدت حكومة الجزيرة أن الاتفاق يعترف بمصالح سكانها ودورهم في التعاون الدولي.
ولا يرجع الاهتمام الأمريكي بغرينلاند إلى مساحتها الشاسعة وحدها، وإنما إلى موقعها بين أمريكا الشمالية وأوروبا وقربها من روسيا والقطب الشمالي. كما تقع الجزيرة على مسارات محتملة للصواريخ والطائرات، وتشرف على طرق بحرية تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد في المنطقة. وإلى جانب ذلك، تمتلك غرينلاند احتياطيات من المعادن النادرة التي تدخل في صناعة الهواتف والسيارات الكهربائية والبطاريات والأسلحة المتطورة، مما يجعلها ساحة متقدمة في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
اما ا
لوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة ليس جديداً؛ فالولايات المتحدة تحتفظ منذ الحرب الباردة بقاعدة بيتوفيك الفضائية، المعروفة سابقاً بقاعدة ثول، التي تؤدي دوراً مهماً في مراقبة الصواريخ والإنذار المبكر والعمليات الفضائية. لكن الاتفاق الجديد يمنح واشنطن حقوقاً دائمة للوصول إلى الجزيرة والتحليق في أجوائها، وقد يسمح بتوسيع وجودها العسكري وبناء منشآت إضافية. كما يمنع الدول غير الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، وخاصة الصين وروسيا، من إقامة قواعد أو تنفيذ استثمارات حساسة من دون موافقة الولايات المتحدة. وقد يظل الاتفاق سارياً حتى إذا أصبحت غرينلاند دولة مستقلة في المستقبل.
وبذلك يكون ترامب قد تراجع عملياً عن فكرة شراء غرينلاند أو ضمها، لكنه حصل على ما يعتبره أكثر أهمية، وهو النفوذ الأمني والعسكري طويل المدى. فالسيادة القانونية ستظل للدنمارك وغرينلاند، بينما قد تصبح المسؤولية الأمنية الفعلية، بدرجة كبيرة، في يد الولايات المتحدة.
وهنا يظهر الفرق بين السيادة القانونية والسيطرة الفعلية. فقد لا ترفع الولايات المتحدة علمها فوق غرينلاند، ولا تصبح الجزيرة ولاية أمريكية، لكن امتلاك واشنطن حق الانتشار العسكري والتحليق ومنع الخصوم من إنشاء قواعد أو تنفيذ استثمارات حساسة يمنحها نفوذاً واسعاً في القرارات الاستراتيجية للجزيرة.
ومع ذلك، ما زالت تفاصيل مهمة غير معروفة، لأن النص الكامل للاتفاق لم يُنشر بعد. فما حدود السلطة الأمريكية؟ ومن يقرر ما إذا كان الاستثمار الأجنبي يمثل خطراً أمنياً؟ وهل تستطيع واشنطن الاعتراض على مشروعات توافق عليها حكومة غرينلاند؟ ومن يتحمل تكاليف القواعد والمنشآت الجديدة؟ لذلك ينبغي انتظار نشر الاتفاق وإتمام الإجراءات البرلمانية قبل الحكم النهائي على مداه.
وعند جمع ملفات خليج المكسيك وقناة بنما وفنزويلا وغزة ومضيق هرمز وغرينلاند، تظهر ملامح عقيدة أمريكية تقوم على توسيع المجال الاستراتيجي من دون الحاجة دائماً إلى ضم الأراضي رسمياً. فبدلاً من الاستعمار بصورته القديمة، تصبح السيطرة على الوظائف الأساسية هي الأهم: الممرات البحرية، والموارد النفطية، والقواعد العسكرية، والاستثمارات الحساسة، وقرارات الأمن والدفاع.
وبهذا المعنى، يمثل اتفاق غرينلاند نجاحاً سياسياً لترامب. فقد رفع سقف مطالبه إلى حد التلويح بالشراء والضم واستخدام القوة، ثم انتهى إلى اتفاق يمنح الولايات المتحدة معظم ما تريده أمنياً من دون أن تتحمل الأعباء القانونية والسياسية المترتبة على امتلاك الجزيرة. ولذلك لم يعد السؤال الأساسي: هل امتلك ترامب غرينلاند؟ بل أصبح: ما مقدار السيطرة التي حصلت عليها الولايات المتحدة تحت عنوان حماية أمنها؟
المصدر الأساسي: أُعدّ هذا المقال انطلاقاً من التقرير المصوّر الذي نشرته قناة Oneindia News بعنوان: “Trump Takes ‘Permanent Control’ of Greenland Security as Denmark Agrees to New Arctic Deal”، بتاريخ 19 سبتمبر 2026.
بروفيسور بكري موسي عبدالكريم
٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦








