انشراح اوشي تكتب :جيل يريد أن يبني لا أن يرث الحرب

لم يختر هذا الجيل الحرب، ولم يكن له يد في اندلاعها، ولم يستيقظ ذات صباح ليقرر أن يكون جزءًا من وطن أنهكته أصوات الرصاص والنزوح والفقد.
وُلد بعض أبنائه في زمن مضطرب، وكبر آخرون وهم يتعلمون كيف يفرّون من الخطر قبل أن يتعلموا كيف يحلمون بالمستقبل.
لكن هذا الجيل، رغم كل ما حدث، لا يريد أن تكون الحرب هي حكايته الوحيدة.
إنه جيل يريد أن يبني، لا أن يرث الحرب.
يريد أن يرث وطنًا لا خنادق، ومدارس لا ملاجئ، وكتبًا لا ذكريات عن الرصاص. يريد أن تكون أصوات المعلمين أعلى من أصوات المدافع، وأن يكون طريق الجامعة والعمل والإبداع هو الطريق الذي يعرفه، لا طريق النزوح والبحث عن الأمان.
لقد دفعت الحرب هذا الجيل إلى النضج قبل أوانه. رأى ما لا ينبغي لطفل أن يراه، وفقد أشياء لا تُعوّض، واضطر كثيرون منه إلى ترك بيوتهم ومدارسهم وأصدقائهم وأحلامهم.
ومع ذلك، ما زالت في داخله مساحة للحلم.
وهنا تكمن قوته.
فإعادة بناء الوطن لا تبدأ فقط من تشييد المباني وإصلاح الطرق، ولمن تبدا من إعادة بناء الإنسان.. من طفل يستعيد حقه في التعليم، وشاب يكتسب مهارة، وطالب يصر على مواصلة دراسته رغم الظروف، ومعلم يعود إلى فصله مؤمنًا بأن العلم أحد أهم أسلحة المستقبل.
هذا الجيل لا يحتاج إلى أن نخبره فقط بما خسره، بل يحتاج إلى أن نساعده على اكتشاف ما يستطيع أن يصنعه.
نحتاج أن نمنحه المعرفة، وأن نفتح أمامه أبواب التدريب والعمل، وأن نزرع فيه قيمة المسؤولية والانتماء، وأن نعلمه أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الوطن لا يُبنى بالإقصاء، بل بالتعاون واحترام الإنسان.
فالسودان الذي نريده غدًا لن يبنيه الحنين وحده، بل سيبنيه جيل يعرف ماذا يريد.
جيل يؤمن أن الخراب ليس قدرًا أبديًا، وأن ما تهدم يمكن أن يُعاد بناؤه، وأن المدارس يمكن أن تمتلئ بالطلاب من جديد، وأن الجامعات يمكن أن تعود منارات للعلم، وأن المدن يمكن أن تستعيد نبضها، وأن الإنسان السوداني قادر على تحويل الألم إلى طاقة للبناء.
وها هي نتيجة امتحان الشهادة السودانية تثبت ان هذا الجيل لا يُهزم… وانه قادر علي تحقيق احلامه رغم التحدي وضخامة المسؤولية.
قد يكون هذا الجيل قد ورث آثار الحرب، لكنه ليس مضطرًا إلى أن يرث أفكارها.
لا نريد أن يرث أبناءنا لغة الكراهية، ولا أن يحملوا أحقادًا لم يصنعوها، ولا أن يكبروا وهم يرون الآخر عدوًا لمجرد اختلافه.
نريدهم أن يرثوا وطنًا يتسع للجميع.
وأن يعرفوا أن أقوى انتصار بعد الحرب ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر الوطن على الخراب، وأن ينتصر التعليم على الجهل، والعمل على اليأس، والتسامح على الكراهية، والأمل على الخوف.
إن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نعيد بناء ما دمرته الحرب، بل أن نبني جيلًا لا يسمح بتكرارها.
جيلًا يحمل القلم بثقة، ويصنع بيديه، ويفكر بعقله، ويحلم بقلبه، ويؤمن أن مستقبله لا يجب أن يكون نسخة من ماضيه.
جيل يريد أن يبني لا أن يرث الحرب.
جيل يريد أن يقول للعالم، وللوطن، ولنفسه:
«ربما ورثنا وطنًا متعبًا، لكننا سنترك لأبنائنا وطنًا أقوى.
ربما عرفنا الحرب، لكننا سنختار السلام.
ربما انكسرت أشياء كثيرة من حولنا، لكننا سنبدأ من جديد.
فنحن لسنا جيل الحرب… نحن الجيل الذي سيبني ما بعدها.»
انشراح اوشي
نقلا صحيفة مقاصد








