محمد عبد البديع إبراهيم يكتب : ليه بنهرب من مصيرنا؟

لما الكهرباء تقطع عامة ونحن عارفنها بلاك آوت ما بنسأل عن الخلل وين، بنسأل بعض: “أها خبر الكهرباء شنو؟ قالوا عنها شنو؟” .. كأنها ما كهربتنا، وكأنو ما من حقنا نعرف الحاصل من الجهات الرسمية المسؤولة، أي مسؤولة قدامنا، نحن ديل أصحاب الحق.
والمصيبة الأكبر، إنو السياسيين والمسؤولين ذاتم، البنفتكر إنو عندهم المفتاح، هم زاتم زينا بالضبط، قاعدين يسألوا: “أها الكهرباء خبرها شنو؟” أقصد “أها البلد خبرها شنو؟” .. كلنا منتظرين زول غايب يجي يصلح لينا.
وده الهروب من المصير زاتو.
لأكثر من سبعين سنة ونحن نمارس نفس الهواية: نشوف البيت مشقق، فنجيب بوماستك جديد، بدل ما نسأل: الساس مالو؟
نحن لا نخاف الحوار، نحن نخاف فاتورة الحوار. الحوار الحقيقي ما ونست لطيفة، الحوار الحقيقي يعني زول يقول “أنا شلت أكتر من حقي” وزول تاني يقول “أنا اتظلمت”. والكلمتين ديل تقال في السودان. عشان كده اخترعنا جملة سحرية بتريحنا كلنا: “الوضع حساس”. جملة “حساس” دي مقبرة دفنّا فيها كل الإصلاحات.
نؤجل. نؤجل إلى أجل غير مسمى. نقول “ما وقتو” و”الناس ما جاهزة” و “بعد الاستقرار”. وما عارفين إنو الاستقرار ذاتو ما بجي إلا بعد الحوار، ما قبلو.
والحقيقة المرة أننا لا نؤجل الحل، نحن نؤجل الانفجار.
وحالنا ده بالضبط، بتوصفه أغنية الفنان إبراهيم عوض، وكأنه غناها لوطنا، حين قال شاعرنا سيف الدسوقي:
ليه بنهرب من مصيرنا
ونقضي أيامنا في عذاب
ليه تقول لي انتهينا
ونحن في عز الشباب
كنا في ماضينا قوة
قوة تتحدى الصعاب
وهسع تايهين لينا مدة
نجري من خلف السراب
تعالوا نقعد في الواطة دي نتحاور حوار حقيقي
دعوة ما موجهة لحزب ولا لحركة ولا لحكومة، موجهة لينا نحن، أصحاب الوجعة.
تعالوا نعترف أولاً: نحن فشلنا في إدارة خلافاتنا. كل واحد فينا كان شايف نفسو هو السودان والباقي ضيوف. ودي هي الحقيقة البنهرب منها.
الحوار البنقصده ما حوار القاعات المكيفة واللافتات الكبيرة والصور التذكارية. الحوار البنقصده حوار الواطة.
حوار نقعد فيهو في كل مدينة وقرية وحلة، نسأل فيهو أسئلة بسيطة ومباشرة: دايرين السودان ده كيف؟ منو يحكمنا وكيف يتحاسب؟ مواردنا تتقسم كيف؟ سلاحنا يكون في يد منو؟ نعيش في المدن كيف والأراضي يصلحها منو وكيف؟
حوار يناقش المشاكل ما حوار مصالح يقسم المناصب والامتيازات.
حوار نوقف فيهو عادة انتظار الأخبار، ونبدأ عادة صناعة الأخبار. ما نسأل تاني “قالوا عنها شنو؟” نسأل بعض “ح نعمل شنو؟”.
تاني ما تقول انتهينا
بتنهي جيل ينظر إلينا
نحن قلب الدنيا دي
ونحن عز الدنيا بينا
تاني ما تقول انتهينا
نحن يا دوب ابتدينا
نعم، نحن يا دوب ابتدينا.. إذا قررنا اليوم ألا نهرب.
بقلم محمد عبد البديع ابراهيم








