رأي

دكتور جمال سليمان عبدالرحمن.. يكتب : من هدر الزمان إلى بناء السلام إطار فلسفي للتعايش السلمي والتنمية الإنسانية نحو عقد اجتماعي جديد

دكتور جمال سليمان عبدالرحمن يكتب : من هدر الزمان إلى بناء السلام إطار فلسفي للتعايش السلمي والتنمية الإنسانية نحو عقد اجتماعي جديد

 

إن القراءة العميقة للواقع المأزوم تفرض علينا استيعاب الزمان بوصفه البنية الأنطولوجية الأساسية للكينونة الإنسانية حيث يمثل التدفق الزمني الجوهر المباشر لوجودنا الفردي والجمعي وإن استنزاف هذا الوجود في أتون الصراعات المسلحة والنزاعات صفرية المجموع يشكل هدرا لأسمى المقومات الحيوية لبناء الدولة والمجتمع مما يحتم الانتقال الفوري من معترك الهدر الوجودي إلى الفضاء الرحب لثقافة السلام القائمة على صون الكرامة الإنسانية وتحقيق التعايش السلمي المستدام.

لقد حانت اللحظة التاريخية لإرساء منصة حوارية هيكلية ترتكز على فلسفة تحويل النزاعات وإعادة بناء العقد الاجتماعي وتجاوز حالة الاغتراب الزمني التي يعاني منها المجتمع جراء تراكم الأزمات والنزوح والخوف المستمر فالزمان ليس مجرد أداة لقياس الإنجاز المادي أو تسليع اللحظة وإنما هو المعيار الأخلاقي الحاكم لمسؤوليتنا التاريخية والروحية أمام الله الخلق وعن كيفية استثمار العمر الفردي والجمعي في بناء الحضارة وتوطيد أركان السلام.

إن التعددية الثقافية والإثنية والدينية في هذا الوطن السوداني تجعل منه فضاء جامعا يستوعب كافة مكوناته الاجتماعية بعيدا عن احتكار السلطة أو الادعاء الأحادي للحقيقة من أي طرف سياسي أو عسكري أو قبلي ولا مناص هنا من تفعيل { نظرية البعد الخامس} في الوعي الجمعي وهو ذلك البعد الفلسفي والروحي الشفاف الذي يتجاوز حدود المكان والزمان الفيزيائي ليرتقي بالإنسان إلى مصاف التسامي الوجداني والتعالي على جراح الماضي فتتحول منظومة العلاقات الوطنية إلى مساحة تتسع للتنوع الخلاق وتضمن التوزيع العادل لموارد ومشاركة الحياة ومستلزمات العيش الكريم.

لقد برهنت التجارب الميدانية للحروب أن العنف المباشر والبنيوي لا يفرز سوى الاغتراب والهوان وأن أدوات الدمار لا تميز بين الفئات الاجتماعية ولا تفرق بين الرؤى المتباينة فالجوع والفقد والنزوح ظواهر تتجاوز الانتماءات الضيقة وتستهدف جوهر الأمن الإنساني ومن هنا تغدو استعادة المنطق العقلاني ضرورة وجودية تقتضي الانتقال من ثقافة الخوف والمقارنة والضغينة إلى فلسفة الاعتراف المتبادل وقبول الآخر والتضامن الأخلاقي الذي يمنح اللحظة الحاضرة معناها الإنساني الأصيل.

إن الاستغراق في مستنقع الاحتراب الداخلي لا يقتصر أثره على إزهاق الأرواح وتدمير البنى التحتية فحسب بل يتعداه إلى إحداث شلل تام في حركة التاريخ وتعطيل قاطرة التنمية البشرية والمادية مما يكرس حالة التخلف البنيوي ويزيد من الفجوة الحضارية بيننا وبين الأمم التي أدركت أن استثمار الزمن في البناء المعرفي والاقتصادي هو السبيل الأوحد للبقاء في عالم لا يحترم إلا الكيانات المتماسكة فالأمم من حولنا تتسابق نحو استشراف المستقبل وابتكار الحلول المستدامة لأزماتها بينما نستنزف نحن مقدراتنا في تدمير ذاتي يعيدنا إلى عصور التيه والظلام ويسلب أجيالنا القادمة حقها الطبيعي في اللحاق بركب الحضارة الإنسانية المتقدمة

وهنا يبرز أمامنا سؤال جوهري يفرض نفسه بمرارة قاسية على مسرح الوعي الوطني ألم نقتنع بعد بعبثية هذه الصراعات وعقم خيارات القوة ألم نستوعب دروس الماضي القريب بكل ما حملته من مآس وفواجع هل نسينا أو تناسينا نتائج التمزق الذي أدى إلى بتر أعز أجزاء جسد السودان وذهاب الجنوب الحبيب ليترك في الوجدان الوطني ندبة لا تندمل وفي الجسد الجيوسياسي فراغا لا يعوض إن تلك التجربة القاسية كان ينبغي أن تكون جرس إنذار يوقظ فينا حاسة البقاء ويدفعنا للتنقيب عن مشتركاتنا الوطنية بدلا من إعادة إنتاج ذات الأخطاء التاريخية بذرائع واهية لا تصمد أمام محكمة التاريخ.

إن الاستمرار في هذا النهج العدمي وتغذية خطابات الكراهية والاستقطاب الحاد يضعنا مباشرة أمام سيناريوهات كارثية تتجاوز مجرد الصراع على السلطة إلى تهديد وجودي يمس كيان الدولة برمتها ويفتح الأبواب مشرعة أمام مخاطر التقسيم المحتملة والتشظي المجتمعي الذي قد يحول الوطن إلى شظايا متناحرة وميليشيات متقاتلة تفتقر إلى أدنى مقومات السيادة والاستقرار وفي خضم هذا التمزق تضيع الدولة وتتلاشى مؤسساتها وتصبح الجغرافيا الوطنية مباحة لكل أشكال التدخل والضياع مما يجعل من استعادة زمام المبادرة الوطنية وإعلاء قيم السلام الشامل والتصالح التاريخي الخيار الوحيد لإنقاذ ما تبقى من جسد الوطن وحمايته من التلاشي والعدم.

إن إدارة الاختلاف وفق الأسس الفكرية للتعايش السلمي لا تعني نفي المظالم أو التغاضي عن مستحقات العدالة الانتقالية بل تعني صياغة إطار عقلاني يتسع لطرح الخوف والمظالم دون توسل أدوات العنف وإحلال الحكمة الحوارية محل الصراع المسلح إذ تبدأ البطولة الحقيقية من كبح جماح الانزلاق نحو الهاوية وتغليب المصلحة الوطنية العليا على النزعات الفردية والفئوية الضيقة بغية إعادة بناء مؤسسات السلام الشامل ترسيخا لنهج التداول السلمي والوعي الديمقراطى المستنير بدلا عن أدوات الذخيرة وسياقات الثأر المتبادل.

إن الوطن لا يزال يحمل مقومات النهوض والتعافي متى ما استند إلى إرادة أبنائه ووعيهم بأهمية استدامة السلام وتكامل أبعاد التنمية الإنسانية الشاملة مما يفرض على الجيل الحالي الاضطلاع بمسؤوليته الأخلاقية التاريخية عبر إيقاف نزيف الدم وتوريث الأجيال القادمة أدوات المعرفة والوعي بدلا عن أوزار الصراع ذلك أن الأخطاء الكبرى التي ترتكب في حق الزمان والوطن تترك آثارا غائرة لا تمحى إذا ما انفصمت عرى العقد الاجتماعي وضاعت فرصة بناء دولة المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية الجامعة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى