رأي

موسى داؤد يكتب : سلسلة «المدنية المفقودة» كان حلماً في الشارع… فضاع بين الكراسي

كان حلماً في الشارع… حلماً حمله الشباب على أكتافهم، وهتفوا من أجله حتى بُحّت الحناجر: دولةٌ مدنية، وعدالةٌ لا تعرف الانتقام، ومؤسساتٌ لا يحكمها الأشخاص، وجيشٌ وطني مهني يعود إلى ثكناته بعد أن يحرس الوطن لا السلطة.
وحين سقط النظام القديم، ظنّ السودانيون أن أبواب الحلم قد فُتحت، وأن البلاد التي أرهقها الاستبداد ستبدأ أخيراً السير نحو دولة القانون. لكن الحلم، ما إن غادر الشارع ودخل غرف التفاوض، حتى تغيّرت لغته؛ فبدلاً من أن يكون السؤال: كيف نبني الدولة؟ أصبح السؤال شيئاً فشيئاً: من يجلس على الكرسي؟
وهناك وُلدت وثيقة 2019 الدستورية، بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، بوصفها إطاراً للمرحلة الانتقالية. نصّت على مجلس سيادة من أحد عشر عضواً: خمسة عسكريين، وخمسة مدنيين تختارهم قوى الحرية والتغيير، وعضو مدني حادي عشر يتفق عليه الطرفان. كما منحت العسكريين رئاسة مجلس السيادة خلال الأشهر الإحدى والعشرين الأولى، على أن تنتقل الرئاسة لاحقاً إلى المدنيين، فيما كان لقوى الحرية والتغيير دور محوري في اختيار رئيس الوزراء والحكومة، ونصّت الوثيقة على أن يكون لها 67% من مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي.
لم تكن تلك مناصفةً حسابية كاملة، لكنها كانت شراكةً في قمة السلطة؛ وهنا بدأ التناقض المؤلم بين حلمٍ خرج به الناس إلى الشوارع، وترتيبٍ سياسي أعاد المؤسسة العسكرية شريكاً أصيلاً في هندسة المرحلة الانتقالية.
ولم تكن المشكلة في الوثيقة وحدها؛ فقد أشارت تحليلات دستورية إلى أن هندسة الانتقال نفسها حملت نقاط ضعف بنيوية، منها افتراض قدرة المدنيين على موازنة نفوذ العسكريين، وإسناد إصلاح القطاع الأمني إلى مؤسسات عسكرية مع ضعف الرقابة المدنية الفاعلة، إلى جانب تأخر إنشاء بعض مؤسسات الرقابة والتشريع.
ثم جاءت السياسة بما تحمله السياسة حين تفقد فضيلة التوافق: استقطابٌ يتسع، وإقصاءٌ يزداد، وخطابٌ يرتفع فوق قدرة الوطن على الاحتمال. وأصبحت المسافة بين خطاب التسامح والممارسة السياسية أكثر وضوحاً، حتى بدا أن بعض الذين جاءوا باسم الثورة لم يدركوا أن شرعية الثورة لا تعني امتلاك المستقبل، وأن المدنية ليست إقصاءً، وأن الحرية ليست رخصةً للخصومة، وأن العدالة لا تكتمل إذا تحولت إلى انتقام.
وكان السودان يحتاج يومها إلى تراضٍ وطني واسع، لا إلى غلبة طرف على طرف؛ إلى دولةٍ تتسع للجميع، لا إلى دولةٍ تتغير موازينها كلما تغيّر أصحاب الكراسي. فـالفشّة غبينتها خرّبت مدينة، وما أكثر المدن التي خربتها الخصومات حين غلبت غبينتها على حكمتها.
لقد كان مؤلماً أن يتحول بعض الحلم الذي حمله الشباب بصدق إلى صراعٍ على السلطة، وأن تصبح الثورة، في بعض لحظاتها السياسية، أقرب إلى سباقٍ على المقاعد من كونها مشروعاً لبناء الدولة.
ولذلك فإن نقد تلك التجربة لا يعني إدانة كل المدنيين، ولا تبرئة المؤسسة العسكرية من مسؤولياتها، وإنما يعني أن نتعلم من التجربة: أن الوطن أكبر من القوى التي تتنازع عليه، وأن الثورة لا تمنح أحداً صكاً دائماً لامتلاك الحقيقة.
فالثورة لا تكتمل حين تسقط سلطةٌ قديمة؛ وإنما تكتمل حين تُبنى دولةٌ جديدة، ويصبح الوطن أكبر من الكراسي، وأبقى من الأشخاص، وأعزّ من الخصومات.
كان حلماً في الشارع… فضاع بين الكراسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى