حوارات وتقارير

إيمان وراق تكتب : الفول بعد الحظر.. هل يكفي إنتاج السودان لإطعام السودانيين؟

185 ألف طن.. الرقم الذي يبرر الحظر
يبدأ السؤال من رقم أكثر أهمية: 185 ألف طن حجم إنتاج السودان السنوي من الفول، وفقا لما أورده الخبير الاقتصادي هيثم فتحي نقلا عن بيانات دولية بينما تحدث وزير الزراعة والري عصمت قرشي عن إنتاج محلي يتراوح بين 175 و185 ألف طن.
الحكومة ترى في هذا الرقم أساسا كافيا للتقليل من الاعتماد على الاستيراد، وحماية المنتج المحلي وتوفير النقد الأجنبي.
لكن الرقم وحده لا يجيب عن السؤال الذي يهم المواطن:
هل كل هذه الكمية متاحة فعلا في الأسواق وهل تكفي الاستهلاك، وهل تصل إلى المستهلك بالسعر المناسب؟
هنا تبدأ الحكاية الأخرى.
لماذا حظرت الحكومة الفول؟
في 2 أكتوبر 2026 أصدر وزير الزراعة والري القرار الوزاري رقم 42، موجها بعدم إصدار شهادات عدم ممانعة لاستيراد الفول المصري من جميع دول العالم.
القرار جاء تنفيذا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 74 الصادر في 12 أبريل 2026، والذي وضع الفول ضمن قائمة السلع التي جرى تنظيم استيرادها في إطار سياسة حكومية تستهدف دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الإنتاج المحلي وتنظيم حركة الواردات.
وبحسب الحكومة فإن السياسة العامة تقوم على تقليل الضغط على النقد الأجنبي وتشجيع المنتج السوداني وتقليل الاعتماد على السلع المستوردة.
من الناحية الاقتصادية، الفكرة واضحة
إذا كان السودان يستطيع إنتاج الفول محليا فلماذا ينفق عملة أجنبية على استيراده؟
لكن السياسة الاقتصادية لا تختبر بالنوايا، وإنما بالنتائج.
السودان ينتج.. لكنه هل ينتج ما يكفي؟
يقول وزير الزراعة والري إن إنتاج السودان من الفول يتراوح بين 175 و185 ألف طن، كما أشار إلى أن استيراد الفول خلال الفترة من 2019 إلى 2025 لم يتجاوز في أعلى مستوياته نحو 35 ألف طن، وأن الاستهلاك انخفض بعد الحرب مقارنة بما كان عليه قبلها.
هذه الأرقام تعطي الحكومة مبررا قويا للقول إن البلاد ليست بحاجة إلى استيراد كميات كبيرة من الفول.
لكن هناك فرق بين الإنتاج السنوي والمعروض في السوق في لحظة معينة.
فالمحصول لا يصل كله إلى الأسواق في يوم واحد كما أن جزءا منه يحتاج إلى التخزين والنقل والتوزيع بينما تتأثر الكميات المتاحة بالحرب والنزوح وتكاليف الإنتاج والنقل وتباعد مناطق الإنتاج عن مناطق الاستهلاك.
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي الأهم:
كم طنّا من الفول يحتاجها السودان فعليا خلال العام؟ وكم منها متاح في الأسواق في الفترة التي يطبق فيها الحظر؟
هذه البيانات التفصيلية هي التي تحدد ما إذا كان الحظر سيؤدي إلى إحلال المنتج المحلي أم إلى خلق فجوة في السوق.
*السوق يرد بالأرقام*
بعد القرار، ظهرت مؤشرات على ارتفاع أسعار الفول في عدد من الأسواق.
صحيفة الترا سودان نقلت عن تاجر في سوق الدويم بولاية النيل الأبيض أن الفول المصري أصبح غير متوفر في السوق، وأن سعر جوال زنة 25 كيلوغراما ارتفع من نحو 290 ألف جنيه إلى 330 ألف جنيه. كما نقلت الصحيفة وصول سعر الكيلوغرام إلى نحو 20 ألف جنيه في السوق الذي تحدثت إليه.
وفي تقرير آخر، نقل راديو دبنقا أرقاما مختلفة من أسواق أخرى تحدثت عن وصول جوال الفول إلى ما بين مليون ومليون ومئة ألف جنيه، فيما بلغ سعر جوال الفول المحلي (السليم) نحو مليون ونصف المليون جنيه، ووصل المستورد الإثيوبي إلى نحو مليون و420 ألف جنيه.
كما أشار التقرير إلى ارتفاع سعر طلب الفول للمستهلك إلى ما بين 7 و8 آلاف جنيه في بعض المناطق.
اختلاف الأسعار بين التقارير والأسواق ليس غريبا في السودان، لكنه يكشف شيئا مهما
السوق السوداني للفول ليس سوقا واحدا والأسعار تختلف باختلاف الولاية والمصدر والجودة والوزن وتكلفة النقل.
لذلك لا يمكن أخذ سعر واحد باعتباره سعرا وطنيالكن يمكن اعتبار الارتفاعات المسجلة مؤشرا يحتاج إلى متابعة.
*حين تطلب الجمارك مراجعة القرار*
المفارقة الأبرز جاءت من داخل الجهاز الحكومي نفسه.
ففي 29 سبتمبر، أي قبل صدور قرار وزارة الزراعة في 2 أكتوبر تحدثت تقارير صحفية عن مذكرة عاجلة رفعتها هيئة الجمارك إلى مجلس الوزراء للمطالبة بفك الحظر عن عدد من السلع، من بينها الفول المصري والأرز.
ووفقا لما نشرته «سودان إندبندنت»، فإن المذكرة ارتبطت بمخاوف من آثار الحظر على الأسواق والقنوات الرسمية للاستيراد وما قد يترتب على غياب الواردات الرسمية من اتساع مساحة التهريب وفقدان جزء من الإيرادات الجمركية.
وهنا تظهر زاوية لا يمكن تجاهلها
الدولة تريد تقليل الاستيراد، لكن الدولة نفسها تخسر إيرادات عندما تنتقل التجارة من القنوات الرسمية إلى التهريب.
فإذا كانت السلعة ممنوعة رسميا بينما يظل الطلب عليها قائما، فإن الطلب لا يختفي بالضرورة.
قد يبحث المستهلك عن بديل، وقد يرتفع السعر، ودتنتقل السلعة إلى سوق غير رسمي.
هل حماية المزارع تعني منع المنافس؟
من حيث المبدأ، حماية الإنتاج المحلي سياسة تتبعها دول كثيرة.
لكن حماية المزارع لا تتحقق بمجرد منع السلعة المستوردة.
المزارع يحتاج إلى مدخلات إنتاج بسعر مناسب، وتمويل، ومياه، وتقاوى، وخدمات زراعية، ونقل، وتخزين، وسوق مضمون، وسعر يشجعه على زيادة المساحات المزروعة.
وإذا توفرت هذه العناصر فإن المنتج المحلي يستطيع منافسة المستورد بصورة طبيعية.
أما إذا كان الحظر هو الأداة الوحيدة، فقد يجد المستهلك نفسه أمام معادلة مختلفةتماما…
المستورد غائب، والمحلي موجود لكنه أغلى
وهذا ما يجعل السؤال عن تكلفة إنتاج الفول السوداني مهما بقدر سؤالنا عن حجم الإنتاج.
الفول الإثيوبي يدخل المشهد
الحظر لا يعني أن الطلب السوداني على الفول توقف ،فالتقارير المنشورة تشير إلى وجود فول مستورد من إثيوبيا في بعض الأسواق مع تسجيل أسعار مرتفعة له أيضا.
وهنا تظهر نتيجة اقتصادية محتملة يجب مراقبتها: إذا أوقف السودان الاستيراد من مصدر، بينما ظل الطلب المحلي مرتفعا، فقد يبحث التجار عن مصادر أخرى.
وهذا يعني أن الحظر قد يغيّر مصدر السلعة بدلا من أن يلغي الحاجة إليها.
وفي هذه الحالة يصبح السؤال:
هل الهدف هو وقف استيراد الفول فعلا، أم إحلال الفول المنتج محليا محل المستورد؟
والفرق بين السؤالين كبير.
ماذا عن المواطن؟
في النهاية، المواطن لا يشتري سياسة إحلال واردات
هو يشتري كيلوغرام الفول.
وإذا كان القرار سيؤدي إلى زيادة الإنتاج المحلي خلال الموسم المقبل وتحسين دخل المزارع، وتوفير السلعة بسعر أقل، فإن المواطن قد يستفيد على المدى المتوسط.
لكن إذا أدى الحظر في المدى القصير إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار، فإن المواطن سيتحمل تكلفة الانتقال من المستورد إلى المحلي.
ولهذا فإن نجاح القرار يحتاج إلى مرحلة انتقالية محسوبة لا تكتفي بمنع الاستيراد، وإنما تراقب المخزون والأسعار والإنتاج والتوزيع.
السؤال الغائب.. أين المخزون?
أهم رقم لم يظهر بوضوح في المعلومات المنشورة حتى الآن ليس رقم الإنتاج.
إنه رقم المخزون التجاري المتاح حاليا.
كم طنا من الفول موجود في مخازن التجار؟
كم طنا موجود لدى المنتجين؟
كم يكفي هذا المخزون من الاستهلاك؟
ومتى يدخل المحصول الجديد إلى الأسواق؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية للمستهلك من معرفة إجمالي الإنتاج السنوي.
فقد يكون السودان منتجا لـ185 ألف طن، ومع ذلك تحدث أزمة سعر إذا كانت الكمية المتاحة في السوق خلال أشهر معينة أقل من الطلب.
هل المشكلة في الفول أم في السوق؟
الفول ليس مجرد محصول زراعي.
في السودان هو وجبة يومية وقطاع تجاري وسلسلة تمتد من المزارع إلى التاجر ثم المطعم والمستهلك.
ولهذا فإن أي قرار يتعلق به يؤثر في أكثر من طرف:
المزارع يريد سعرا مجزيا.
التاجر يريد سلعة متاحة وتكلفة نقل قابلة للتحمل.
الدولة تريد حماية الإنتاج وتقليل الاستيراد والحصول على الإيرادات الرسمية.
المستهلك يريد وجبة متاحة بسعر يستطيع دفعه.
والتحدي هو أن تحقق السياسة الاقتصادية مصالح هذه الأطراف مجتمعة لا أن تنقل العبء من طرف إلى آخر.
*ما الذي تحتاجه الحكومة لإثبات نجاح القرار*؟
هناك خمسة نقاط يمكن أن تحسم الجدل:
أولا: حجم الإنتاج المحلي الفعلي، وليس التقديري فقط.
ثانيا: حجم المخزون المتاح حاليا.
ثالثا: متوسط الاستهلاك السنوي الفعلي بعد الحرب.
رابعا: تكلفة إنتاج الكيلوغرام محليا مقارنة بتكلفة الفول المستورد.
خامسا: حركة الأسعار قبل الحظر وبعده في الولايات المختلفة.
إذا أعلنت الحكومة هذه الأرقام بشفافية، يصبح المواطن قادرا على فهم القرار والحكم على نتائجه من خلال الوقائع لا الانطباعات.
بين حماية المنتج وحماية المستهلك
لا تبدو قضية الفول مواجهة بين الحكومة والمواطن، ولا بين السودان ومصر.
فالقرار بحسب النصوص المنشورة، يأتي ضمن سياسة أوسع لتنظيم الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي، كما أن الحظر يشمل الفول المصري من جميع الدول، وليس قرارا موجها إلى بلد واحد.
لكن نجاح السياسة سيظل مرتبطا بالسؤال الأساسي:
هل يستطيع الإنتاج السوداني أن يملأ الفراغ الذي تركه الاستيراد، من حيث الكمية والسعر والتوقيت؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الحظر قد يتحول إلى فرصة حقيقية أمام المزارع السوداني لزيادة الإنتاج والسيطرة على السوق المحلي.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإن النقص لن يختفي بقرار إداري، وسيبحث السوق عن طريق آخر لتلبية الطلب.
وقد يكون ذلك الطريق هو ارتفاع الأسعار، أو البحث عن بدائل، أو زيادة الاستيراد من دول أخرى، أو اتساع التجارة غير الرسمية.
*الخلاصة*
الحكومة تقول إن السودان ينتج ما يكفيه من الفول تقريبا، وإن تقليل الاستيراد يحمي الإنتاج المحلي ويدعم الاقتصاد.
السوق في المقابل بدأ يسجل ارتفاعات ونقصا في بعض المناطق.
والجمارك، وفقا لتقارير صحفية، طلبت مراجعة حظر الفول المصري والأرز.
وبين هذه المواقف الثلاثة تقف الحقيقة التي تحتاج إلى أرقام رسمية واضحة:_
هل المشكلة أن السودان لا ينتج الفول، أم أنه ينتجه لكن لا يستطيع إيصاله إلى المستهلك بالسعر المناسب؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يجيب عنه القرار.
فالمطلوب في أن يستطيع السوداني شراء الفول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى