رأي

د. أزهري بشير يكتب أنانية النخب السياسية واستراتيجية التهشيم والتهميش

د. أزهري بشير
خبير استراتيجي

ورقة فلسفية عميقة تشخيص الداء السوداني والعربي والأفريقي – الأنانية السياسية..

*أولاً: تشخيص الداء*
إن الأنانية السياسية عند النخب السياسية الحاكمة في المنطقة العربية والأفريقية، وقصر النظر، هو الذي أدى إلى ذلك الانحطاط والأزمات.

لأننا بالغنا كثيراً في خلافاتنا الداخلية، سواء كانت خلافات أيديولوجية، أو خلافات مصالح، أو سياسية، أو خلافات مذهبية، أو خلافات عرقية وقومية، كل هذه الخلافات لم تتم إدارتها بشكل رشيد أو حكيم.

*ثانياً: الدرس الأوروبي الذي لم نتعلمه*

وكأننا لم نتعلم مما حدث للأوروبيين في الحرب العالمية الأولى والثانية، والأوروبيون كانوا يعانون من نفس العقلية – وهي الأنانية.

الفرنسي يريد أن يكون سيد أوروبا، والألماني يريد أن يكون سيد أوروبا بلا منازع. لا يرى أي منهم مجداً لنفسه إلا على أشلاء أخيه وجاره. ودفعوا ثمناً فادحاً في هذا – سبعون مليون من القتلى في الحرب العالمية الأولى والثانية!

نحن على الأقل لم نصل إلى هذه الدرجة من الدموية التي وصلوا إليها، لكنهم استخلصوا الدرس.

وكان يفترض بنا، في أفريقيا والدول العربية، أن نستفيد ونتعلم مما حدث للأوروبيين، حتى لا نسير في نفس الاتجاه الذي ساروا عليه.

*نعم لقد تعلم الأوروبيون – من التمزق إلى الاتحاد الأوروبي.*

*وعلينا أن نبدأ من حيث انتهوا، لا من حيث بدؤوا!*

ولكن وللأسف الشديد لم يحدث هذا.

*ثالثاً: استراتيجية التهشيم والتهميش – كيف استغلتنا القوى العظمى؟*

مما سهل على القوى الدولية العظمى، خاصة أمريكا وإسرائيل، تطوير استراتيجية:

*1. التهشيم:*
– تفتيت الدولة الوطنية إلى كيانات صغيرة متناحرة
– تحويل الخلاف السياسي إلى حرب أهلية (السودان – اليمن – سوريا – ليبيا – الصومال)
– دعم المليشيات على حساب الجيوش الوطنية (كما يحدث مع دعم الدعم السريع)
– تقسيم المجتمع إلى فسيفساء عرقية وطائفية لا يمكن جمعها

*2. التهميش:*
– تهميش العقول والكفاءات الوطنية (مجلس الحكماء الذي طالبت به)
– تهميش الموارد (ذهب السودان يهرب، بينما نستورد القمح)
– تهميش القرار الوطني لصالح القرار الخارجي
– تهميش الجامعات ومراكز الفكر لصالح المنظمات الأجنبية

*الآلية:* كلما زادت أنانية النخبة، سهل تهشيمها. النخبة التي تريد أن تحكم وحدها بلا شريك، ستجد نفسها محكومة من الخارج.

*رابعاً: التطبيق على الحالة السودانية*

أنانيتنا السياسية تجلت في:

– *أيديولوجياً:* إسلامي ضد علماني، قحط ضد كيزان، وكل طرف يريد إلغاء الآخر
– *مصالح:* كل حزب يريد الوزارة لنفسه، والذهب لنفسه، والميناء لنفسه
– *عرقياً:* عربي ضد زرقة، شمال ضد دارفور، شرق ضد غرب
– *نتيجة:* 46 سلعة محظورة بقرار 74، وحاويات مكدسة في الميناء، وجنيه منهار، وشعب جائع – بينما النخبة تتفاوض في الفنادق

*خامساً: الحل – من الأنانية إلى الإيثار الوطني*

كما فعل الأوروبيون:

1. *من التمزق إلى الاتحاد:* الاتحاد الأوروبي بدأ بتوحيد الفحم والصلب (الاقتصاد) قبل السياسة. نحن نحتاج توحيد الذهب والصمغ والثروة الحيوانية أولاً (كما أوصيت للبرهان).
2. *مجلس الحكماء:* إخراج القرار من يد النخبة الأنانية إلى يد العلماء والمهنيين.
3. *إدارة الخلاف بحكمة:* الخلاف سنة كونية، لكن إدارته فن. الأوروبيون يختلفون في البرلمان، نحن نختلف في الميدان.
4. *قاعدة:* الوطن يسع الجميع – الدين المعاملة – الوقت كالسيف

*الخلاصة:*
القوى العظمى لا تصنع التهشيم، هي فقط تستثمر في أنانيتنا. إذا انتهت الأنانية، انتهى التهشيم.

*المراجع الفلسفية :*

1. Hans Morgenthau – Politics Among Nations – الأنانية والمصلحة القومية
2. Ibn Khaldun – المقدمة – نظرية العصبية والعمران
3. Francis Fukuyama – The End of History – صراع النخب
4. Jean Monnet – مذكرات مؤسس الاتحاد الأوروبي – من الحرب إلى الاتحاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى