رأي

بشارة جمعة أرور.. يكتب : السلوك السياسي في السودان.. من إحراق العملة إلى استنزاف الدولة…، إلى متى تستمر هذه التصرفات الهوجاء ؟! 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التاريخ: 30 أغسطس 2026م

 

بشارة جمعة أرور.. يكتب : السلوك السياسي في السودان.. من إحراق العملة إلى استنزاف الدولة…، إلى متى تستمر هذه التصرفات الهوجاء ؟!

________________

 

منذ أن أخذ السودان يتهيأ لنيل استقلاله ظل يعاني نقصاً في رجال الدولة القادرين على تحويل الاستقلال من لحظة تاريخية إلى مشروعٍ وطنيٍ متين الأركان وفي العقول التي تجمع بين الطموح الوطني وبعد النظر السياسي وحسن إدارة الدولة وذلك رغم وجود نخبة سياسية أدركت معنى الاستقلال وشعب دفع ثمن الحرية وبلد يمتلك من الموارد والتنوع والقدرات ما كان يؤهله لأن يكون دولة وازنة في محيطه الإقليمي ومكانه الطبيعي بين الأمم.

إلا أن مسيرة الدولة السودانية منذ فجر الاستقلال وحتى يومنا هذا تختزن في مسارها مفارقة تاريخية موجعة جداً، فكلما اتسعت طموحات الوطن وتنامت تطلعاته إلى بناء دولة حديثة مستقرة ضاقت أحياناً قدرة المنظومة السياسية وقياداتها على إدارة الاختلاف وتحويله إلى طاقة للبناء وكلما ازدادت الحاجة إلى ترسيخ المؤسسية وإعلاء شأن الدولة غلبت في بعض المراحل حسابات الأشخاص والتيارات والمصالح الآنية على مقتضيات المصلحة الوطنية حتى أصبح السودان يدفع مرة تلو الأخرى أثمانَ قرارات لم تكن كلفتها السياسية والاقتصادية والوطنية محسوبة بالقدر الذي تقتضيه مسؤولية دولة كانت تخطو خطواتها الأولى نحو التأسيس والبناء.

 

ولعل التاريخ يقدم لنا شاهداً أكثر دلالة وإثارة للتأمل في هذه المسيرة من حادثة إحراق أول عملة ورقية سودانية وهي حادثة لم تكن مجرد واقعة معزولة وإنما أصبحت واحدة من الشواهد القوية المبكرة على الكلفة الباهظة التي قد تترتب حين يتداخل الصراع السياسي مع مقتضيات الدولة وحين تتقدم الحسابات السياسية العاجلة على ضرورات التخطيط المؤسسي والمصلحة الوطنية.

 

ففي عام 1955م طُبعت أول عملة ورقية سودانية وكانت تحمل توقيع رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري ووزير المالية ثم وصلت دفعات منها إلى السودان في عام 1956م وكان مقرراً أن يبدأ تداولها في 15 سبتمبر من العام نفسه.

لكن خلافاً نشأ حول التوقيعات التي ينبغي أن تحملها العملة ولا سيما توقيع رئيس الوزراء وتزامن ذلك مع تحولات سياسية متسارعة شهدتها البلاد في تلك المرحلة فسقطت حكومة الأزهري الثانية في يوليو 1956م وتعقدت المسألة أكثر وأصبح تغيير التوقيع على العملة المطبوعة أمراً غير ممكن وفق الإجراءات المتبعة آنذاك.

 

ومضى الموعد المحدد لدخول العملة إلى التداول دون أن تُطرح في الأسواق ثم اتُّخذ القرار بإعادة طباعتها وانتهى الأمر إلى إحراق الكمية المطبوعة سابقاً.

وفي 21 نوفمبر 1956م نُفذ القرار وأُتلفت كمية ضخمة من الأوراق النقدية قُدرت بنحو أحد عشر طناً.

 

توقفوا قليلاً يا أيها الناس عند هذا المشهد؛ أحد عشر طناً من الأوراق النقدية تُحرق في بلد كان قد خرج لتوه من الاستعمار وكان في أمس الحاجة إلى كل مورد وكل جنيه وكل ساعة عمل وكل خطوة محسوبة في طريق بناء الدولة.

قد يبدو الأمر اليوم مجرد صفحة من صفحات التاريخ لكن التأمل فيه يكشف أنه أكبر من حكاية عملة أُحرقت أو أوراقٍ التهمتها النار إذ إن القضية في جوهرها السياسي ودلالتها الأعمق، تتجاوز ما جرى إلى المنهج السياسي الذي أفضى إلى القرار وإلى قدرة الدولة الوليدة على إدارة الخلافات دون أن تتحول كلفتها إلى خسارة عامة.

 

فالورقة النقدية التي أُحرقت لم تكن وحدها هي الخسارة بل كانت وراءها تكلفة الطباعة والنقل والتأمين والتخزين والإجراءات المصاحبة ثم تكلفة إعادة الطباعة وإعادة النقل وإعادة الترتيبات اللازمة لطرح العملة الجديدة في التداول أما الخسارة الأثقل وهي التي لا تظهر في دفاتر الحسابات…، فتتمثل في الوقت المهدور والارتباك السياسي والإداري والمؤسسي وتعطيل الإجراءات وتحميل الدولة تكلفة قرار كان يمكن… لو أُدير الخلاف السياسي بمنهج أكثر إحكاماً كان كفيلاً بتجنب كثير من آثاره وتداعياته.

 

وقد خرجت جماهير في الخرطوم وأم درمان وبحري وغيرها احتجاجاً على الواقعة وارتفعت آنذاك هتافات تعبر عن حجم الصدمة الشعبية من بينها: “حرق العملة حريق الشعب” و ” لا استقلال بلا عملة” ولم تكن هذه الهتافات مجرد غضب ورد فعل وإنما كانت تعبيراً عن إدراك شعبي مبكر بأن ما يمس موارد الدولة ورموز سيادتها لا يمكن فصله عن حياة الناس ومصالحهم.

 

غير أن الاحتجاجات لم تمتد بالقدر نفسه إلى معظم الأقاليم والمناطق النائية بما كان يمكن أن يسهم في الحيلولة دون إحراق العملة ولعل ذلك يُفسر بطبيعة المشهد السياسي والإعلامي شديدة المركزية آنذاك في ظل ضعف وسائل الاتصال والمواصلات وتفاوت درجة الارتباط السياسي بالمركز إذ كانت صناعة القرار والتعبئة والتأثير السياسي والإعلامي متمركزة ومتمحورة حول العاصمة في ظل هيمنة واضحة للمركز ومحدودية حضور الأقاليم في المجال السياسي والإعلامي بينما ظلت مساحات واسعة من البلاد أبعد عن دوائر القرار والتأثير وعن الوصول السريع إلى مجريات الأحداث.

 

وفي سياق التحولات السياسية اللاحقة لم تنتهِ صلة العملة بالتحولات السياسية عند تلك الواقعة فقد شهد تاريخ السودان لاحقاً محطات أخرى تداخل فيها تغيير العملة مع التحولات السياسية للدولة ففي أعقاب سقوط نظام جعفر نميري عام 1985م أُزيلت صورته من الأوراق النقدية وأُعيدت إليها صورة البنك المركزي في دلالة واضحة على تأثر رموز العملة بتغير السلطة السياسية ثم جاء الانتقال من الدينار إلى الجنيه السوداني عام 2007م في سياق ترتيبات اتفاقية السلام الشامل وتوحيد العملة في البلاد.

وهذه الوقائع لا تعني أن كل تغيير نقدي كان سياسياً فبعض الإصدارات ارتبط بأسباب فنية واقتصادية ونقدية لكنها تكشف أن العملة في بعض المنعطفات لم تكن بعيدة عن التحولات السياسية وأن شكلها وإصدارها وتداولها قد يتأثران بمسار السلطة والدولة.

 

وتكشف هذه الواقعة في دلالتها وأبعادها أن العملة ليست مجرد أوراق تُطبع وتُتداول وإنما رمز من رموز السيادة وأداة من أدوات الاستقرار الاقتصادي والثقة العامة ولذلك فإن القرارات المتصلة بها وسلامتها يجب أن تُدار بمنطق الدولة لا بمنطق الكيد السياسي وحسابات الخصومة الحزبية، وأن تُحكم بالمصلحة العامة لا بحسابات اللحظة وأن تبقى آثارها على مال الناس واقتصاد البلاد وثقة المجتمع حاضرة في كل قرار لأن العبث بالقرار النقدي لا تقف كلفته عند حدود المال وإنما قد تمتد إلى الاقتصاد والاستقرار وثقة المجتمع بالدولة ومستقبلها.

وهنا ينبغي بل يجب أن نتوقف عند جوهر المسألة وأن نقرأ الحادثة بعين تتجاوز تفاصيلها التاريخية إلى دلالاتها السياسية وتنفذ إلى ما وراء الواقعة لاستجلاء منهج إدارة الخلاف وحدود قدرة الدولة على احتواء كلفته وتداعياته، وهنا يفرض نفسه سؤال مزلزل في دلالته، صادم في مفارقته: ما الذي يعنيه أن تُقدم دولة على إحراق عملتها قبل أن تُطرح للتداول ؟!

 

لا يعني ذلك بالضرورة أن كل طرفٍ كان يقصد الإضرار بالدولة، ولا أن كل خلافٍ سياسي هو عبثٌ بالمصلحة الوطنية؛ فالاختلاف طبيعةٌ ملازمة للعمل السياسي، والتنافس بين القوى السياسية أمرٌ مشروع في الدولة الديمقراطية.

لكن الخطر يبدأ عندما يتجاوز الاختلاف حدوده الطبيعية وحين يتحول التنافس إلى خصومة ومكايدة والمكايدة إلى قرارات خطيرة تمس مؤسسات الدولة ومواردها ومصالح المجتمع.

 

فالسياسي قد يحقق نصراً حزبياً لكنه إذا كان ثمن هذا النصر إضعاف الدولة فقد ربح معركة حزبية وخسر معركة وطنية لأن النصر الذي يُضعف الدولة ليس نصراً مهما بدا كذلك في لحظته.

 

ولا ينبغي أن ننظر إلى حادثة إحراق العملة باعتبارها واقعة معزولة وإنما باعتبارها مناسبة للتأمل في سؤال أكبر رافق التجربة السودانية طويلاً، لماذا عجز السودان رغم موارده البشرية والطبيعية الهائلة عن تحويل استقلاله السياسي إلى بناءٍ مؤسسي مستقر ومستدام؟

 

فالمشكلة لم تكن دائماً في ندرة الموارد أو غياب الكفاءات وإنما في طريقة إدارة الدولة وفي ضعف البيئة المؤسسية التي تجعل الكفاءة فوق الولاء والقانون فوق النفوذ والمصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة.

ومع تعاقب الحكومات والأنظمة تغيرت الوجوه والشعارات ولكن أنماطاً من التفكير والممارسة ظلت تعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.

 

وهكذا، لا يبدأ استنزاف الدولة وإضعافها دائماً بانهيار كبير بل يتراكم عبر قرارات غير محسوبة وتجاوزات للمؤسسات وتسييس للإدارة وإهدار للمواردكما حدث في واقعة إحراق العملة وتغليب للمكاسب السياسية الآنية على المصلحة الوطنية ومع مرور الزمن تتحول الاستثناءات إلى قواعد والقواعد إلى سلوك وثقافة وتصبح كلفة الخلل أكبر من أن تظهر في الدفاتر وحدها إذ يدفع المجتمع ثمنها في اقتصاده ومعاشه وخدماته واستقراره وفي فرصه وثقته بمؤسسات الدولة وكذلك القطاع الخاص، ولا تقف آثارها عند الحاضر بل تمتد إلى مستقبل الأجيال.

 

ومن هذه الزاوية، فإن المقارنة بين إحراق العملة بالأمس واستنزاف قيمتها اليوم لا تعني أن التاريخ يكرر نفسه بالصورة ذاتها وإنما أن منطق السلوك السياسي قد يعيد إنتاج نتائجه بأدوات مختلفة.

بالأمس احترقت أوراق نقدية واليوم قد تُستنزف موارد الدولة وثقة المجتمع وفرص المستقبل…، ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في تغيير الحكومات وحدها وإنما في تغيير منهج إدارة الدولة من الغلبة إلى التوافق ومن الخصومة إلى إدارة الاختلاف وبناء التعاون ومن القرار الشخصي إلى القرار المؤسسي ومن الحسابات الحزبية الضيقة والآنية إلى المصلحة الوطنية العليا والاستراتيجية.

 

فالدولة لا تُقاس بقلة مؤسساتها أو كثرتها وإنما بصلابة مؤسساتها ونزاهة أدائها واستقلال قرارها، فالمؤسسة التي تُنشأ للترضيات والتوظيف أو تُسخر للسيطرة على مواقع النفوذ والمصالح لا تبني دولة وإنما تُثقل كاهلها وتستنزف مواردها.

ولكن تقوى الدولة بمؤسسات راسخة وفاعلة مستقلة في أدائها تحكمها قواعد القانون ويعلو فيها القانون على النفوذ والكفاءة على الولاء والمصلحة العامة على الحسابات الخاصة وتُدار فيها الموارد بكفاءة ومسؤولية فالأشخاص يذهبون والحكومات تتغير والأحزاب تتبدل أما الدولة فتبقى راسخةً بمؤسساتها قوية بقانونها وشامخة فوق الأشخاص والحكومات والأحزاب وتقلبات السياسة.

 

لقد أُحرقت في الماضي أوراق نقدية أما اليوم فقد أصاب الدولةَ احتراق واستنزاف واختراق واسع حتى تجاوزنا مرحلة منع الحريق وأصبح التحدي اليوم في احتوائه ووقف تمدده واسترداد ما يمكن استرداده وحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة ومقدراتها وثقة مجتمعها وفرص أجيالها.

فالتاريخ لا يُحترم بتذكر وقائعه وإنما بفهم دروسه وتحويلها إلى وعي سياسي ومؤسسي يقطع الطريق على تكرار الأخطاء وتراكم الخسائر لقد احترق الكثير لكن ما تبقى من الدولة ليس بقايا تُترك للنار وإنما أمانة وطنية يجب إنقاذها وإعادة بنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى