رأي

د.نجلاء حسين المكابرابي تكتب : محمد صالح معتصم.. حين يتقدّم القرآن والعلم، ويتأخر الضوء عن أصحابه

عريس الشهادة السودانية الذي صنع المجد في صمت، فاستحق أن تتوقف عنده الأضواء
ليس كلُّ من يستحق الاحتفاء تلاحقه الكاميرات، و من يصنع المجد يجد الأبواب مشرعة أمامه، فثمة أبطال ينجزون أعظم انتصاراتهم في هدوء، ويتركون لأعمالهم أن تتحدث عنهم، حتى وإن تأخرت الأضواء عن اكتشافهم.

ومن بين هؤلاء يبرز اسم محمد صالح معتصم محمد الأمين؛ الشاب الذي جمع بين شرف حفظ كتاب الله ورفعة التفوق الأكاديمي، فكتب قصة نجاح لا تختصرها النسب، ولا تحيط بها شهادات التقدير، ولا تنصفها عبارات الإشادة العابرة.

أحرز محمد صالح نسبة 97.4% في الشهادة السودانية، محققاً المرتبة الرابعة على مستوى السودان، والأولى على البنين، والأولى على مستوى ولاية نهر النيل. و ذلك لم يكن مجرد رقم في قائمة المتفوقين، هو ثمرة جهد وصبر وانضباط، ورسالة تؤكد أن وراء كل إنجاز حقيقي إرادة تعرف طريقها، ونفساً لا تستسلم للصعاب.
لكن حكاية محمد لا تقف عند أبواب التفوق الدراسي؛ ففي سجلّه شرف أعظم، إذ يحمل القرآن الكريم في صدره، ويستمد من آياته نوراً يهدي خطاه، ويمنح رحلته معنى يتجاوز حدود المنافسة على المراتب والدرجات.

ولم يكد صدى نجاحه الأكاديمي يهدأ حتى أضاف إنجازاً جديداً إلى رصيده، بإحرازه المركز الثاني في جائزة الشيخ محمد المجذوب بن قمر الدين للقرآن الكريم وعلومه، التي أُقيمت فعالياتها في مدينة الدامر، حاضرة ولاية نهر النيل. وهكذا، هو محمد لم يكن متفوقاً في قاعات الامتحانات وحدها، كان حاضراً أيضاً في ميادين القرآن وعلومه، جامعاً بين عقل يتطلع إلى المعرفة وقلب يتصل بكلام الله.
ومع ذلك، بقيت حكايته أقل حضوراً في المشهد الإعلامي من إنجازاته التي تستحق أن تُروى، وأقل صخباً من حملات الاحتفاء التي تصنعها الأضواء أحياناً. وهنا يبرز السؤال: هل نقيس قيمة أبنائنا بما يصل إلى شاشاتنا، أم بما يحققونه من نجاح وما يقدمونه من نماذج ملهمة للمجتمع؟

إن محمد صالح طالب متفوق يستحق التهنئة فحسب ؛ لكنه نموذج للشاب السوداني الذي ينبغي أن نمنحه الثقة، ونفتح أمامه أبواب الفرص، ونحتفي به بوصفه استثماراً حقيقياً في مستقبل الوطن. فالسودان الذي أنهكته الأزمات لا يحتاج إلى استعادة موارده المادية وحدها، هو يحتاج كذلك إلى اكتشاف ثروته البشرية، ورعاية العقول النابغة، والاحتفاء بالعلم والأخلاق والقرآن.
واليوم، تتجه بوصلة طموح محمد نحو كلية الطب بجامعة الخرطوم، حيث ينتظره فصل جديد من رحلة العلم والعطاء. وكم نرجو أن يجد في طريقه من يسانده، وأن تتحول أمنياته إلى واقع، وأن يصبح تفوقه بداية لمسيرة يردّ بها الجميل لوطنه وأهله.
إلى محمد صالح معتصم نقول: قد تتأخر الأضواء، لكن قيمة الإنجاز لا تتأخر، وقد يغيب اسمك عن بعض منصات التكريم، لكن ذلك لا ينتقص من مجد صنعته بجهدك.
أنت لست رابع الشهادة السودانية فحسل، ولا صاحب المركز الثاني في مسابقة قرآنية فحسب؛ أنت حكاية اجتمع فيها القرآن والعلم، والإرادة والطموح، وتستحق أن تُروى للأجيال.
ولعل أعظم تكريم لك ألا نكتفي بالتصفيق لإنجازاتك، لكن أن نهيئ لك الطريق لتواصلها؛ فالأوطان لا تنهض بتكريم المتفوقين يوماً، وإنما برعايتهم حتى يصبحوا قادة علم، وأصحاب رسالة، وصنّاع مستقبل.
محمد صالح معتصم.. عريس التفوق الذي يستحق أن تُفتح له أبواب المجد، لا أن يُترك بعيداً عن زفة الأضواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى