رأي

ريما عبد اللطيف الطاهر تور كبير تكتب : هل نعيش اللحظة أم نستعرضها؟ السعادة الافتراضية وفخ المقارنة على وسائل التواصل الاجتماعي

مافي زول بصوّر خيبته ويرفعها استوري!!!!
، وأغلب ما نراه في الميديا Fake، أو على الأقل صورة منتقاة بعناية من واقع لا نعرف تفاصيله.
ما تقارن نفسك بأشخاص في عالم افتراضي؛ لأنك ببساطة لا ترى حياتهم كاملة، بل ترى الجزء الذي اختاروا إظهاره لك. فلا أحد يعرض كل لحظات ضعفه، ولا كل خيباته، ولا تفاصيل الأيام التي لم تكن كما أرادها.
من وجهة نظري، يصعب على الإنسان أن يكون غارقًا تمامًا في لحظة استمتاع، ومنشغلًا في الوقت ذاته بكيفية تصويرها وتوثيقها وعرضها على الآخرين. فهناك فرق بين أن تعيش اللحظة بكل حواسك، وأن تنشغل بتجهيزها لتبدو جميلة أمام جمهور افتراضي.
وهنا أتحدث عن نفسي؛ أنا واحدة من الأشخاص الذين يشعرون أحيانًا بأن وصولهم إلى مرحلة تصوير اللحظة ونشرها يعني أنهم لم يعودوا منغمسين فيها كما ينبغي، وربما وصلوا إلى قدر من الفتور جعلهم يفضّلون عيش اللحظة في الخيال أكثر من الاستمتاع بها في الواقع.
أي استوري أظهر فيها سعيدة بلحظة أو أشارك فيها صورة لموقف عشته، أعرف أن الصورة لا تعني بالضرورة أنني كنت في قمة السعادة أثناء حدوثه؛ ففي بعض الأحيان أكون في قمة الفتور الشعوري، وأحتفظ باللحظة كصورة أكثر من احتفاظي بإحساسها. ويختلف الأمر حين تكون الصورة ملتقطة لي من الآخرين؛ إذ أكون حينها منشغلة بعيش الموقف لا بتوثيقه.
ماذا يقول علم النفس؟
هذه الفكرة ليست مجرد انطباع شخصي، بل تتقاطع مع عدد من الدراسات النفسية التي تناولت علاقتنا بالتصوير والنشر والمقارنة الاجتماعية.
ففي دراسة نُشرت عام 2017 في مجلة Journal of Consumer Research، بعنوان How the Intention to Share Can Undermine Enjoyment، وجد الباحثون أن التقاط الصور بقصد مشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي قد يقلل الاستمتاع بالتجربة نفسها؛ لأن التفكير في الجمهور والانطباع الذي نريد تكوينه لدى الآخرين يزيد من الانشغال بالصورة الذاتية ويقلل الاندماج في اللحظة.
كما تناولت دراسة Jesse Fox وMegan Vendemia المنشورة عام 2016 مفهوم الانتقاء في تقديم الذات، موضحة أن مستخدمي الشبكات الاجتماعية يختارون الصور التي ينشرونها ويعدّلونها أحيانًا لتقديم صورة معينة عن أنفسهم أمام جمهور متخيّل. وهذا يعني أن ما نشاهده ليس بالضرورة انعكاسًا كاملًا للحياة الواقعية.
وفي دراسة منشورة عام 2024 في Journal of Computer-Mediated Communication، رصدت الباحثة Malinda Desjarlais ارتباط المقارنة الصاعدة بالآخرين على وسائل التواصل بانخفاض لحظي في تقدير الذات، بينما ارتبط النشر أحيانًا بارتفاع الشعور بالتواصل مع الآخرين. وهذه نقطة مهمة؛ فالنشر ليس سلوكًا سلبيًا بالضرورة، وإنما تختلف آثاره باختلاف دوافعه وطريقة استخدامه.
إذن، أين تكمن المشكلة؟
المشكلة ليست في التصوير أو النشر، ولا في مشاركة لحظات السعادة مع الآخرين، بل في أن يتحول العالم الافتراضي إلى معيار نقيس به جودة حياتنا.
حين ترى شخصًا يسافر، وآخر يحتفل، وثالثًا يعرض تفاصيل يومه المثالي، قد تبدأ دون أن تشعر في مقارنة حياتك بما يعرضونه. لكنك تقارن واقعك بكل تفاصيله، بما فيه من تعب وإحباط ومسؤوليات، بصورة منتقاة من واقع شخص آخر.
وهذه مقارنة غير عادلة من الأساس.
ربما كان صاحب الصورة سعيدًا فعلًا، وربما كان يمر بيوم صعب واختار أن يعرض لحظة جميلة منه. لا نعرف. وما لا نعرفه لا يصح أن نجعله مقياسًا نحاكم به حياتنا.
أخيرًا…
ليس كل ما يُعرض سعادة، وليس كل ما يُخفى تعاسة. وليس مطلوبًا منك أن تثبت للآخرين أنك تعيش حياة جميلة، ولا أن توثّق كل لحظة حتى تشعر أن لها قيمة.
عِش اللحظة قبل أن تفكر في مشاركتها، واستمتع بما تملك دون أن تنشغل بما يملكه الآخرون.
فالحياة التي تستحق أن تُعاش، ليست بالضرورة تلك التي تستحق أن تُصوَّر.
ولا تجعل شاشة هاتفك تخبرك كيف يجب أن تكون سعيدًا.
#قلمي
#المرأة_ذات_الحبر_الأسود
–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى