
د. شنان محمد الخليل يكتب : من ذكرياتي في رمضان…
السبب الحماني العيد هناك أحَضْرو!!
” عني مالم … صدوا وإتوارو ” وصوت الراحلة المقيمة عائشة الفلاتية الشجي ينبعث من حامل الكاسيت ببص النقل الجماعي يبعث فيك عَبرة وعِبرة ” فتحاً وخفضاً ” وشجناً وشجىً شفيفاً، … وأصوات الاحتجاج التي ارتفعت من المعتمرين تنبه السائق “الحضرمي” لخطأ ما ارتكب لم تكن احتجاجاً على الأغنية ولا على كلماتها ولا حتى على دلالات تلك الكلمات ومدلولاتها التي تنطبق تماماً على حالتنا يومها…، ولكن كان الاحتجاج على تشغيل الغناء في هذا المكان المقدس ونحن نغادر ” أم رخام” في طريق العودة إلى جدة …. وصدود أهل البعثة وتواريهم عن مشاكل المعتمرين وزوار المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يكن ظاهرة تحتاج لأدلة وبراهين ومباحث وكفى ان نسوق مشكلة الحاجة ليلى كمثال بسيط للتدليل عليها.
نعم .. فبصات النقل الجماعي المؤجرة التي أقلتنا من مكة إلى المدينة كانت تفرغ حمولتها من البشر قبل الإفطار فقط بخمس دقائق. والمنطقة التي حلت فيها تلك البصات بعد أن دارت عدة دورات لم تكن مأهولة (العمائر) بالسكان إذ كانت تسكن لأول مرة ، هذه (العمائر) لو لا الحياء لحولنا (العين) فيها الى (قاف) !! …
و الاستقبال الخالي من مندوبي البعثة ووحشة المنطقة ووحشيتها هي التي جعلتنا ننزل الحقائب في الاستقبال ونهرع إلى المسجد النبوي لإدراك فريضة المغرب…… كانت الحاجة ليلى وحيدة وكبيرة في السن ومريضة بداء السكر وصائمة ولم تجد ما تفطر به لا طعام ولا ماء حتى لحظة حضورنا ، والشهامة السودانية التي كانت حاضرة تحركت ، إذ انطلق كل من حضر في اتجاه وبعد اقل من نصف ساعة كانت هناك مائدة مليئة بالفراخ والخبز و(السمبوكسة) والتفاح والعنب والمياه المعدنية والعصائر تكفي لإطعام (الحاجة ليلى) وكل النسوة اللائي كن معها… فلا شئ يحرق قلب السوداني أكثر من صوت إمراة تبكي لأنها وحيدة وكبيرة وجائعة ولا ملاذ لها، كان هذا أيام البعثة – نضر الله أيامها – في العام الماضي ، وإذا حدث هذا في هذا العام فلن تجد الحاجة ليلى وأخواتها ملاذاً ولا متكأ ولا مغارات يلذن بها، ذلك لأن المعتمر السوداني قد (ذُبح) من قبل الوكالات وتفرق دمه بين (العمائر). ومندوب الوكالة الذي انتظرنا عند مخرج مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة واستلم جوازاتنا حمدنا الله انه انتظرنا لأن غيرنا لم يجد من ينتظره أبدا. والساعات الأربعة التي ضاعت في المطار بين صفوف الجوازات وبطء الإجراءات وبين (سخف) هنا وهناك هذه الساعات الأربعة أضاف إليها الوكيل ساعتين من عنده في انتظار معتمرين آخرين قد تجيء بهم طائرات أخرى أقول (قد) تجيء وقد لا.
ومندوب الفندق المؤجر – المصري الجنسية – أستدعى موظف آخر سوداني يعمل معه لتكملة إجراءات تسكيننا بعد أن وصلنا للفندق في الساعة السادسة صباحاً والمقابلة تلك – على علاتها – كانت آخر مقابلة (معتبرة) يقابلنا لها موظف مسئول في تلك الوكالة ….
والإقامة في جدة والتي استمرت منذ الساعة السادسة صباحاً وحتى الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليلة التالية انتهت بخطبة من (مطوع) سوداني شرح لنا الإجراءات الواجب إتباعها لأداء العمرة وتمنى لنا إقامة طيبة في رحاب الوكالة وذهب …. و الرحلة بين جدة ومكة والتي استغرقت الساعة إلا قليلاً انتهت بنا إلى إحدى العمائر المؤجرة في مكة حيث لم نجد في استقبالنا احد !! والاستقبال والانتظار فيه والذي استغرق زهاء الساعتين ليحضر بعدها مندوب الوكالة ليقوم بعملية الإسكان والتي تمت بطريقة عشوائية اضطرت الناس للقيام بمعالجتها فردياً بعد أن تسلموا مفاتيح الغرف قبيل الفجر بساعات…. والمسافة بين السكن وبيت الله الحرام تزيد فيها الكيلومترات عن الخمسة او الستة وهي مسافة طويلة وبعيدة لكبار السن اذا ما وضع في الاعتبار عدم وجود وسيلة نقل تقل الناس من والى الحرم.
والذي حدث بمكة حدث ما هو أسوأ منه بالمدينة المنورة على ساكنها افضل الصلاة والسلام… فالبص الذي أمر منذ تحركه بأن ينزل الناس بفندق معين ذهب للفندق مأمور فأمر الناس بالنزول بعد أن حمد الله إليهم لسلامة الوصول وأحد الإخوة المصريين من منسوبي تلك الوكالة خرج إلينا من العمارة ليقول لنا أنه (مفيش مطرح هنا) وانه (هايسكنا) في عمارة ثانية وإذا (ما لقيناهاش) اقرب للحرم من (ديت … فما ننزلش) …. (جات الحزينة تفرح مالقتلهاش مطرح) .. هذه من عندي …. والبص الذي استدار في شارع لجهة اليسار ثم في الإتجاه الآخر مسافة تزيد عن الكيلو متر إضافية نزل منه الأخ المصري أمام أحد (العمائر) وسلم الجوازات لإدارة الفندق وخرج من الباب الخلفي تاركاً الناس أمام سياسة الأمر الواقع … والفندق الذي نزل فيه الناس ليس أحسن حالاً من سلوك ذلك الموظف الذي أحضرنا وهرب ولا من سلوك تلك الوكالة التي أخذت أموالنا وباعت لنا (التُرماي) !! فهل كانت مصادفة أن البص الذي أحضرنا يحمل الحرف المميز
*(د.ل.س)*؟!! ربما… فالفندق سيئ الخدمات ، ومتعطل المصعد ومفتح المداخل والمخارج وطافح الحمامات ولا إشراف من الوكالة ولا مزارات ولا يحزنون كما كتبوا في عقدهم الأنيق الموقع معنا في مقرهم الباهي بالخرطوم… و البص الذي اقلنا في رحلة العودة إلى جدة هذه المرة لم تغن فيه عائشة الفلاتية (صدوا و إتواروا) ولكن غنى فيه مغني يمني موّاَل يمني طغى عليه صوت دعوات المعتمرين على الوكالات التي أكلت أموالهم بالباطل … دعوا عليها باللعنة وعدم البركة وهي دعوات ستؤثر حتماً على عمرة في الأعوام القادمات….
وفي جدة تنكرت الوكالة لالتزاماتها بالقيام بإجراءات الحجز لكل المعتمرين ، إذ بعد عودتنا وجدنا الجوازات والتذاكر في انتظارنا للقيام بإجراءات الحجز بسوق (الخيمة) وكان الحرف المميز للبص الذي اقلنا *(أ.ح.ي)* دون تشديد على الياء !! ، وتنكرت الوكالة لأيامها الموقعة في العقد فطردت المعتمرين من الفندق قبل أن يكملوا مدتهم فيها فكان مكثهم في ضيافة الوكالة سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ حسوماً (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية)… أما سودانير فقد (لطعتنا) في المطار لأكثر من 14 ساعة استمرت منذ الساعة 12 مساء الخميس وحتى الساعة الثانية والنصف بعد ظهر الجمعة حيث أقلعت بنا صوب مطار الخرطوم. …. *(والسبب الحماني العيد هناك أحضروا)* أن الوالدة وخالتي و شقيقتي ، اللائي كُن معي لأداء المناسك قد بلغ بهن التعب و(القرف) وكل ما ذكرت منتهاه ، فعدت للوطن معيّداً فيه وانا اردد…. آآآآآآآآهـ آآآآهـ…
أو كما قال الكابلي
*د.شنان محمد الخليل*
25 رمضان 1422 هـ.
10 ديسمبر 2001 م.








