بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :يا أهل السودان تعالوا إلى كلمةٍ سواء

في الأوقات العصيبة، تظهر معادن الشعوب، وتُختبر إرادة الأمم. واليوم، السودان يمر بمنعطف خطير في تاريخه، حيث تركت الحرب وراءها جروحًا غائرة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة. الان أمامنا خياران لا ثالث لهما: إما أن نغرق في مستنقع الصراعات والعداوات، وخطاب الكراهية والإقصاء أو أن ننهض متكاتفين، نضع الماضي خلفنا ونبني وطنًا جديدًا يتسع للجميع.
يا اهل السودان، لقد أرهقتنا الخلافات، وأضعفتنا الصراعات، وهددت الانقسامات مصير هذا البلد. لكننا اليوم بحاجة إلى خطاب جديد، خطاب يرتكز على الحلول لا المشكلات، يجمع ولا يفرق، ويضع مصلحة السودان فوق المصالح الضيقة. هذه دعوة مفتوحة لكل المثقفين والسياسيين والاقتصاديين والإعلاميين والناشطين للمشاركة بأفكارهم حول كيفية معالجة آثار الحرب والخروج بالسودان من أزمته إلى مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
الاقتصاد.. التحدي الأكبر وأمل النهوض
وإذا كان للحرب أثرها المدمر على مختلف جوانب الحياة، فإن الاقتصاد كان أكثر القطاعات تضررًا. فقد انهارت قيمة العملة الوطنية، تعطلت عجلة الإنتاج، تفاقمت البطالة، واتسعت رقعة الفقر. الآن، لا مجال للحديث عن المستقبل دون وضع خطة اقتصادية واضحة المعالم.
إعادة الإعمار يا سادتي، يجب أن تبدأ من تحفيز الإنتاج، خاصة في القطاعات الزراعية والصناعية، والاستثمار في الموارد الطبيعية التي يمتلكها السودان بكثرة. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل انعدام الاستقرار؟ كيف يمكن جذب الاستثمارات دون وجود بيئة اقتصادية مواتية؟ وما دور المغتربين في المساهمة في النهوض بالاقتصاد؟
وبالطبع ، لا يمكن أن يستقيم أي اقتصاد دون نظام مالي ومصرفي قوي. كيف نعيد بناء الثقة في العملة الوطنية؟ وما الإصلاحات المطلوبة لضمان استقرار النظام المصرفي؟ كذلك، لا بد من إدارة موارد السودان الطبيعية بطريقة أكثر عدلًا وفعالية، حتى لا تتكرر الأخطاء السابقة التي جعلت هذه الثروات عبئًا بدلًا من أن تكون مصدرًا للنمو.
المجتمع السوداني.. المصالحة وبناء السلام
ولم تقتصر آثار الحرب على تدمير المباني والبنى التحتية، بل امتدت إلى العلاقات الاجتماعية، تاركة وراءها مجتمعًا ممزقًا ومنقسمًا. ملايين النازحين واللاجئين يبحثون عن مأوى، والعائلات التي فقدت أحباءها لا تزال تحمل جراحها، والثقة بين مكونات المجتمع أصابها الوهن.
والمصالحة الوطنية ضرورة لا خيار، لكن السؤال هو: كيف نحقق سلامًا حقيقيًا وليس مجرد اتفاقيات ورقية؟ كيف نعيد النازحين إلى ديارهم دون أن يشعروا بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية؟ وما دور المجتمع المدني في التوفيق بين الأطراف المتنازعة وبناء الثقة من جديد؟
و إلى جانب المصالحة، هناك حاجة ملحة لإصلاح قطاع التعليم، إذ فقدت أجيال كاملة فرصتها في التعلم بسبب الحرب. كيف يمكن تعويض هذا الفقدان؟ وما السياسات المطلوبة لإنشاء منظومة تعليمية تواكب احتياجات السودان الجديد؟ أما المرأة، فقد تحملت أعباء مضاعفة خلال الحرب، فكيف نضمن أن يكون لها دور فاعل في مرحلة إعادة البناء، بدلًا من أن تُترك على هامش المشهد كما حدث في السابق؟
السياسة.. نحو نظام مستقر وعادل
ولطالما كانت السياسة في السودان ساحة للتجاذبات والصراعات، ولم تكن يومًا وسيلة لتحقيق الاستقرار. المرحلة القادمة تتطلب إعادة النظر في شكل الحكم الذي نريد، فلا يمكن بناء دولة حديثة إذا ظل النظام السياسي مجرد أداة بيد مجموعات متنافسة.
فما هو النظام السياسي الأمثل للسودان؟ هل تكون الفيدرالية حلًّا يضمن توزيع السلطة والثروة بعدالة، أم أن مركزية الحكم لا تزال ضرورية في ظل هشاشة الدولة؟ كيف نمنع تكرار الدكتاتورية والاستبداد؟ والأهم من ذلك، كيف ننظر للدعوة لهيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية بحكمة ومسؤلية ونصل الي توافق وطني بحيث تصبح القوات المسلحة أكثر قدرة وفعالية واداة لحماية الدولة لا طرفًا في الصراع السياسي او الاستقطاب الحزبي والأيدولوجي؟
والسياسة الخارجية للسودان الوطنية لا تقل أهمية عن القضايا الداخلية. كيف يمكن إعادة بناء العلاقات مع الدول المجاورة والمجتمع الدولي علي اساس الندية والمصالح المشتركة ؟ الي اي مدي يستطيع السودان ان يستفيد من الدعم الخارجي دون أن يفقد استقلاله؟ وكيف نوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على السيادة الوطنية؟
اما الإعلام فسيكون له دور محوري في هذه المرحلة. فبدلًا من أن يكون ساحة للتحريض وتأجيج الصراعات ونشر خطاب الكراهية، كيف يمكن أن يصبح الإعلام بشقيه الحكومي والخاص منبرًا للتوعية ودعم السلام الاجتماعي وتعزيز ثقافة الحوار؟ كيف نضمن حرية الصحافة دون أن تتحول إلى أداة بيد جهات ذات أجندات خاصة؟
دعوة للمشاركة: لنتحاور حول ما يجمعنا
هذه الأسئلة ليست إلا جزءًا من القضايا التي تحتاج إلى نقاش جاد ومسؤول. وهي دعوة مفتوحة لكل من يرى في نفسه القدرة على الكتابة وتقديم رؤية، فكرة، أو تحليل يمكن أن يسهم في بناء السودان المتجدد.
إلى الكتاب والمثقفين والصحفيين والسياسيين والاقتصاديين والأكاديميين والمجتمع المدني: الوطن بحاجة إلى عقول واعية تقترح وتناقش وتبحث عن الحلول. لا مجال بعد اليوم للخطاب الفارغ أو المزايدات السياسية، ولا جدوى من إعادة إنتاج نفس الصراعات القديمة. اكتبوا وكل يدلي بدلوه في حرية ومسؤلية وشفافية واحترام للغير.
السودان يسعنا جميعًا، ويسع ضيوفنا بالحسني ، ومستقبله مرهون بقدرتنا على تجاوز الماضي والعمل من أجل الغد. فتعالوا إلى كلمةٍ سواء!








