رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب : مكاوي محمد عوض.. نموذج للكفاءة السودانية وإرث من العطاء الهندسي

مقدمة

في إطار تسليط الضوء على الشخصيات التي أسهمت في نهضة السودان وتطوير بنيته التحتية، استضاف بودكاست بصمة خضراء الباشمهندس مكاوي محمد عوض في حلقتين مميزتين من سلسلة “مهندس استشاري”، حيث تم استعراض مسيرته المهنية الحافلة بالإنجازات في قطاعات الكهرباء، السكك الحديدية، النفط، والنقل. وقد كشف الحوار عن رؤية هندسية وإدارية متقدمة ساهمت في إحداث نقلات نوعية في هذه القطاعات، مما يجعلنا نتساءل: لماذا لا يتم استغلال هذه الخبرات الوطنية الاستثنائية في وقت لا يزال فيه السودان بحاجة إلى الكفاءات المتميزة؟

المسيرة الأكاديمية وبداية المشوار المهني

اختار مكاوي محمد عوض مجال الهندسة عن قناعة وإيمان بدوره في بناء الدولة. ورغم التحديات التي واجهها في بداياته، استطاع بفضل رؤيته الاستراتيجية وإصراره أن يتحول إلى أحد أبرز القادة الهندسيين في السودان. أسهمت خبراته المبكرة في صياغة أسلوبه الإداري الفعّال، مما ساعده لاحقًا في قيادة مشاريع كبرى بنجاح.

إنجازاته في قطاع الكهرباء

عند تسلمه قيادة الهيئة القومية للكهرباء، تبنى مكاوي سياسات إصلاحية طموحة كان لها أثر بالغ في زيادة الإنتاج الكهربائي وتوسيع الشبكة الوطنية. ومن بين أبرز إنجازاته في هذا القطاع:
1. إدخال العداد مسبق الدفع
• ساهم في تقليل الفاقد الكهربائي وتحسين كفاءة الاستهلاك.
• جعل السودان من أوائل الدول الأفريقية التي تتبنى هذه التقنية، مما أدى إلى تحسين الإدارة المالية للقطاع الكهربائي.
2. توسيع الشبكة الكهربائية وزيادة الإنتاج
• إنشاء محطات كهربائية جديدة مثل محطة قري 3، مما زاد من قدرة التوليد الكهربائي بنحو 350 ميغاواط.
• توسعت الشبكة الوطنية لتغطي 70% من المدن الرئيسية، مقارنةً بـ 45% فقط قبل توليه المنصب.
• تطوير البنية التحتية لنقل وتوزيع الكهرباء، مما أسهم في تقليل نسبة الأعطال والانقطاعات الكهربائية.
3. تمويل الكهرباء ذاتيًا
• بفضل ترشيد المنصرفات وزيادة كفاءة التحصيل، أصبحت الكهرباء تمول نفسها دون الاعتماد على وزارة المالية، مما يعكس نجاح مكاوي في إدارة القطاع بفعالية.

حنكته الإدارية في إصلاح قطاع الكهرباء

لم يكن التوسع في الشبكة الكهربائية وزيادة الإنتاج فقط هو ما يميز قيادة مكاوي محمد عوض، بل كان يتمتع بمهارات إدارية فذة مكّنته من تنفيذ إصلاحات إدارية جريئة دون إثارة أزمات أو معارك مع العاملين.

النموذج الأول: إعادة هيكلة القوة البشرية دون صدامات
أدرك مكاوي أن قطاع الكهرباء كان يعاني من تضخم وظيفي غير منتج، حيث بلغ عدد العاملين أكثر من 22,000 وكان الكثير منهم يشكلون “عطالة مقنعة”، مما كان يرهق الميزانية دون إضافة حقيقية للإنتاجية. بدلاً من اتخاذ قرارات الفصل القسري التي قد تؤدي إلى احتجاجات وصراعات، اعتمد على استراتيجية تحفيزية ذكية، حيث:
• قدم حوافز مالية مجزية للعاملين غير المنتجين الذين يرغبون في المغادرة طواعية.
• وفر لهم برامج دعم وتأهيل لمساعدتهم على إيجاد فرص عمل بديلة.
• نجح في تقليص العمالة الزائدة دون أي أزمات داخلية، مما جعل الإصلاحات تمر بسلاسة، وحسّن كفاءة القطاع بشكل كبير.

النموذج الثاني: رفض التوظيف بالواسطة بأسلوب دبلوماسي
في حادثة أخرى تعكس نزاهته وإدارته الحكيمة، جاءه شخص يحمل توصية من النائب الأول للرئيس طالبًا توظيف ابنه الذي لم يجتز المعاينة. ورغم حساسية الطلب، لم يرضخ للضغوط، بل تعامل مع الموقف بذكاء إداري بارع. عرض على الرجل كشف المتقدمين الناجحين في المعاينة، وطلب منه أن يختار شخصًا واحدًا ليخرجه من القائمة حتى يدخل ابنه مكانه. عندها رد الرجل قائلاً: “لا أستطيع أن أفعل ذلك.” فسأله مكاوي بهدوء: “وكيف تريدني أن أفعل لابنك ما لا تستطيع أنت فعله بنفسك؟”
عندها، أدرك الرجل منطقية موقف مكاوي، ولم يعد إلى النائب الأول ليطلب منه التدخل مجددًا. كانت هذه الحادثة مثالًا حيًا على التزام مكاوي بالعدالة الإدارية ورفضه الرضوخ للضغوط السياسية.

إصلاح وتطوير قطاع السكك الحديدية والنقل

لم تتوقف إسهامات مكاوي محمد عوض عند الكهرباء، بل امتدت إلى قطاع النقل والسكك الحديدية، حيث كان له دور محوري في:
1. إعادة تأهيل السكك الحديدية
• قام بتحديث البنية التحتية للسكك الحديدية عبر استبدال الفلنكات الخشبية بأسمنتية، مما ساهم في إطالة عمر السكك وتقليل تكاليف الصيانة.
• أدى هذا التحول إلى تحسين كفاءة التشغيل وزيادة استدامة الشبكة الحديدية.
2. إحياء خطوط السكك الحديدية المندثرة
• أعاد تشغيل خط الخرطوم – الأبيض، الذي كان متوقفًا لسنوات، مما أدى إلى تحسين الربط التجاري بين الولايات.
• دعم مشاريع إعادة تأهيل خطوط أخرى ساهمت في تقليل الاعتماد على النقل البري وتقليل تكلفة الشحن.

إنجازاته في قطاع النفط

في قطاع النفط، أسهم مكاوي محمد عوض في:
• تحسين عمليات الاستخراج والتكرير، مما ساعد في زيادة الإنتاج النفطي.
• تطوير البنية التحتية لنقل النفط داخليًا وخارجيًا، مما جعل السودان مركزًا محوريًا لنقل الخام.

رؤية مستقبلية وإرث من العطاء

تميز مكاوي محمد عوض برؤية سباقة، حيث عمل على وضع أسس تنموية تستهدف الاستدامة والتطوير طويل الأمد. لم تقتصر خبراته على إدارة المشاريع، بل شملت أيضًا تأهيل الكوادر الهندسية لضمان استمرار عجلة التنمية.

لماذا لا يستفيد السودان من كفاءاته؟

رغم أن مكاوي محمد عوض لا يزال مستعدًا للعطاء، إلا أن السودان يعاني من تحديات في الاستفادة من خبراته الوطنية. فهو يمتلك علاقات دولية واسعة وخبرات يمكن أن تسهم في إعادة تأهيل البنية التحتية وتحقيق نهضة اقتصادية، لكن غياب استراتيجيات واضحة لاستقطاب هذه العقول يظل عائقًا أمام تحقيق التنمية المستدامة.

ختام وإشادة ببودكاست بصمة خضراء

من خلال استضافته لمثل هذه الشخصيات المؤثرة، أثبت بودكاست بصمة خضراء أنه منصة رائدة في تسليط الضوء على الكفاءات السودانية التي صنعت فارقًا في مختلف القطاعات. مثل هذه البرامج تلعب دورًا مهمًا في توثيق التجارب الناجحة، وإلهام الأجيال القادمة للاستفادة منها.

لذلك، دعوة مفتوحة إلى مقدم البرنامج لمواصلة هذا النهج، واستضافة المزيد من الشخصيات التي تمتلك خبرات قيمة يمكن أن تساهم في نهضة السودان. في ظل التحديات التي تواجه البلاد، تبقى هذه اللقاءات نافذة أمل يمكن أن تلهم صناع القرار لاتخاذ خطوات أكثر جدية نحو الاستفادة من العقول الوطنية في إعادة بناء السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى